علوم التصحيح في اللغة دكتور احمد كروم

5.11.16


الدراسات اللغوية العربية النشأة والمراحل

الدراسات اللغوية العربية النشأة والمراحل


- 1 - أسباب قيام الدراسات اللغوية العربية
-2 - المراحل : أ - مرحلة تمهيدية
ب - جمع المعطيات اللغوية
جـ- الوصف والتحليل واستنباط القواعد
د - الدراسة المتخصصة ( المدارس النحوية )
هـ - الدراسة الوظيفية (عبد القاهر الجرجاني )


لم يكن العرب أول من درسوا لغتهم بهدف وضع القواعد لصيانة الألسنة من الخطأ واللحن . فقد سبق الى ذلك شعوب كثيرة منها الهنود والعبرانيون والاغريق وغيرهم . وكانت الكتب المقدسة والديانات والمعتقدات الدينية دائما هي العامل الأساسي في انطلاق تلك الدراسات ، وهذا ماكان بالنسبة للدراسات اللغوية العربية بالاضافة الى أسباب وعوامل أخرى .

أسباب نشأة الدراسات اللغوية العربية:

يتفق معظم الدارسين على أن العرب في الجاهلية كانوا يتكلمون لغتهم بالسليقة ولم يكونوا بحاجة الى قواعد لغوية ،مع وجود بعض الاستثناءات التي لم تكن تشكل خطرا على اللغة علما أن الخطأ واللحن والانحراف اللغوي كان من العيوب التي قد لا تغتفر .
فقد جاء الاسلام ونزل القرآن الكريم في المستوى الأعلى من البلاغة والفصاحة(بلسان عربي مبين) أي باللغة المشتركة أو ما يسمى الآن بالفصحى ، التي يرى بعضهم أنها لهجة قريش التي كان لها من العوامل والظروف ما جعلها اللهجة الأرقى التي تبناها العرب وجعلوها لغتهم الرسمية التي يتعاملون بها على الصعيد الرسمي والمناسبات الأدبية والمواسم. وقد كان ما جاءنا من الشعر الجاهلي كله بهذه اللغة المشتركة مع اشارات الى بعض اللهجات العربية الخاصة التي ظهرت أيضا باللغات العربية المسموح بها (الجائزة ) .

هذا وقد ظل الأمر كذلك بعد مجيء الإسلام ، اذ أن السليقة لم تزل قاسما مشتركا بين العرب الذين دخلوا تحت راية هذا الدين ، وتوحدوا تحت لوائه وعزز القرآن وحدتهم اللغوية ، ولم تكن الدروس اللغوية الا ملاحظات عابرة تصحح بها بعض الأخطاء ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة الملازمين يتلون القرآن الكريم كما أنزل فيتبعهم في ذلك المسلمون حفظا وتلاوة . لكن الأمر لم يبق على هذه الحال لأن الاسلام جاء وبأمر من الله الى الناس كافة ، وكان لا بد أن ينطلق العرب المسلمون بهذه الأمانة لتبليغها للناس خارج حدود الجزيرة العربية . وقد أيدهم الله بالنصر وفتح على الاسلام والمسلمين ، فدخلت الأمم والشعوب في هذا الدين ، الذي كانت اللغة العربية لغته الرسمية ولغة دستوره(القرآن الكريم) .

وكان لا بد للمسلمين غير العرب من تعلم هذه اللغة أو الالمام بها ، لا سيما أن بعض شعائر الاسلام لا بد أن تؤدى باللغة العربية ، وأن تلاوة القرآن عبادة يتقرب بها المسلم الى ربه.

زيادة عن العلاقات الاجتماعية التي جعلت المسلمين على اختلاف أجناسهم امة واحدة يختلطون ويتعاملون .فلا بد من لسان يساعدهم على تمتين الروابط بينهم ، وقد كان اللسان العربي - بلا شك - هو المثل الأعلى وكان العرب المسلمون هم القدوة . ولكن أ من السهل محاكاة العرب ومجاراتهم في لغتهم لكل من دخل الاسلام ؟ وهل يمكن للعرب ألا يتأثروا بلغات تلك الأمم ورطاناتها ؟

بدأت السليقة تضعف وبدأت آثار الاختلاط تظهر سلبا على العربية ، وبدأ اللحن يتفشى ليس على ألسنة غير العرب فحسب ، بل وعلى ألسنة العرب أنفسهم ، حتى الخاصة منهم . ووصل الأمر- كما تذكر بعض الروايات الى تلاوة القرآن الكريم وعلى لسان بعض المقرئين ،مما أدى الى الاستنكار ورفع القضية الى الخليفة لتدارك الأمر .
وهكذا كانت الفتوحات الاسلامية وتوسع الحدود عاملا وسببا في شيوع اللحن وكان شيوع اللحن من الأسباب التي دفعت الى نشأة الدراسات اللغوية العربية. ولا شك أن العامل الديني كان العامل المركزي ، فالخوف على لغة القرآن - وليس على القرآن نفسه كما يذكر على بعض الألسنة - دفع الغيورين للقيام بعمل يصون الألسنة من الزلل والانحراف .

ولذا يمكن أن نسجل العوامل والأسباب كما يلي :

1- العامل الديني : للمحافظة على فهم القرآن وحسن تلاوته و استخراج الأحكام الشرعية .
ويرتبط بهذا العامل أسباب الخوف من فساد الألسنة بسبب :
أ- توسع الحدود بعد الفتوحات الاسلامية و نتج عنه :
ب - الاختلاط وتأثر العربية بغيرها من اللغات ( الألسن )
2 - هناك من يرى بوجود عامل آخر ، هو العامل القومي ويتمثل في حب العرب للغتهم و غيرتهم عليها .
3 - عامل فكري حضاري ، وهو ارتقاء التفكير عند العرب بسبب حضارية الدين الاسلامي و دعوته الى العلم بالاضافة الى الاحتكاك الفكري بالأمم الأخرى .
4 - وقد نضيف عامل الظروف العامة من حب خدمة الدين وهو بمثابة الجهاد وربما بعض الفراغ لخلو الحياة من بعض التعقيدات المعاصرة .

وهكذا تضافرت كل هذه العوامل وغيرها لقيام مشروع دراسة العربية ووضع قواعدها وقد مر ذلك بمراحل يمكن ايجازها فيما يلي :


1- المرحلة التمهيدية : 
وكانت مرتبطة بالقرآن الكريم لضبط تلاوته ضبطا نحويا صحيحا ، لأن الخطأالنحوي قد يغير من مدلول الآيات حتى يصل بذلك الى المحظور ، مثال ذلك ما ورد من قراءة بعض القراء " ان الله بريء من المشركين ورسوله " بكسر لام رسوله بدلا من رفعها .

ويعد أبو الأسود الدؤلي المتوفى( 69 هـ) علم هذه المرحلة ، بل يقال:إنه أول من وضع علم النحو ، وكان ذلك عندما قام بضبط المصحف الشريف بوضع ما يسمى بنقاط الاعراب على أواخر الكلم لبيان وظيفتها النحوية ، حيث أتى بكاتب من بني عبد القيس وقال له: نظر الى شفتي وأنا أقرأ فان فتحت شفتي فضع نقطة فوق الحرف ، وان كسرت فضع نقطة تحت الحرف ،وان ضممت فضع نقطة بجانب الحرف وان أتبعت ذلك غنة (ويريد بذلك التنوين) فضع نقطتين بدل النقطة ، وهكذا عمل معه من بداية المصحف حتى نهايته ويقال إن نقاط الاعراب هذه التي تدل على الحركات ظلت حتى جاء الخليل فاستبدل بها حركات الاعراب الحالية : الفتحة والضمة والكسرة (1).

الدراسة الوصفية التحليلية الشاملة :
المرحلة الأولى : وتتمثل في جمع المعطيات اللغوية ، فبالاضافة الى القرآن الكريم ، والسنة النبوية الشريفة والشعر العربي ، كانت هناك اللغة والألفاظ التي يستعملها العرب أو الأعراب الذين يعتقد أن لغتهم لم تزل صحيحة لبعدهم عن أماكن الاختلاط وتحصنهم في قلب الصحراء ، لذلك فقد حددت الأماكن2)) والقبائل التي يمكن الأخذ عنها والاطمئنان الى لغتها مثل قيس وتميم و أسد و بعض كنانة وهذيل وبعض الطائيين .

فقد ارتحل علماء اللغة الى قلب الصحراء يستمعون الى الأعراب ويسجلون لغتهم بطريقة السؤال المباشر وغير المباشر .
وربما انعكست هذه الرحلات اللغوية فيما بعد فصار الموردون من الأعراب يفدون الى الحواضر ويقدمون بضاعتهم من اللغة والألفاظ الى المهتمين .
وهكذا تشكلت لدى العلماء ثروة هائلة من المعطيات اللغوية الصالحة للدراسة.

المرحلة الثانية : وهي مرحلة التصنيف والتبويب ، فقد كانت المعطيات اللغوية قد جمعت في كثير من الأحيان بطريقة عشوائية ، فتم جمعها وتنظيمها في مجموعات (رسائل) حسب الموضوعات فكانت كتب مثل: كتاب الابل ، وكتاب الخيل ، والنبات وغير ذلك ... ثم كان فيما بعد جمع عام للألفاظ العربية ( المعاجم العامة ) كمعجم الخليل .
وقبل دراسة المعطيات اللغوية تم تصنيفها بطريقة أخرى ، يمكن أن تسمى شكلية أو نحوية ، فكانت قوائم للأفعال ، وأخرى للأسماء ، وثالثة للحروف .

(1)أنظر المشجر المرفق الذي يبين أهم علماء العربية الأوائل .
(2)أنظر في آخر المحاضرة ملحقا يبين أهم القبائل التي أخذت عنها اللغة

المرحلة الثالثة : مرحلة الاستقراء والمقارنة واستنباط القواعد العامة للغة من خلال دراسة هذه المعطيات التي تمثل الطريقة التي كان عليها العرب في كلامهم ، من حيث الرفع والنصب والجر والوقف ، وكل ما يتعلق بالنحو بالمعنى العام .
ولا بد من الاشارة هنا الى أن الدراسة في هذه المرحلة كانت عامة و في كل الجوانب ، وكان تصنيف تلك المعطيات النحوية حسب البيئة اللغوية ، وليس حسب الزمن مثلا عندما جمعوا الأفعال الماضية جمعوا كل الأفعال المفتوحة الآخر .
وكانت القواعد المستخلصة أشبه بعلم اللغة العام ، ففيها النحو والصرف والبلاغة وغير ذلك .

المرحلة الرابعة : كل علم يبدأ عاما شاملا ثم يتجه نحو التخصيص ، وهذا ما كان بالنسبة للدراسات اللغوية العربية . فقد ازداد التعمق في الدراسات النحوية ، وحدث الخلاف في وجهات النظر ، نظرا لاختلاف اللهجات العربية ، ولشدة المنافسة بين العلماء ، فظهر ما يسمى بالمدارس النحوية

(1) وكان على رأسها مدرسة البصرة، التي تميزت بالاصرار على الاعتماد على ما جاء على ألسنة عرب الصحراء دون الحواضر وعدم الأخذ بالشواذ من الشواهد الفردية ، ثم انشقت عنها مدرسة الكوفة واختلفت عنها في المنهج فقبلت الشاذ وقاست عليه ،كما اعتدت بكل كلام العرب ، سواء كان من بدو الصحراء أو من الحواضر .

المرحلة الخامسة : في نهاية القرن الخامس الهجري اتخذت الدراسة اللغوية العربية منهجا جديدا وهو منهج الدراسة الوظيفية للغة ، وكان ذلك على يد الامام عبد القاهر الجرجاني الذي أعاد للدراسة اللغوية العربية روحها ، وأكد على ربط النحو بالبلاغة ، لأن للغة وظيفة أساسية هي الاتصال .

(1) سنقدم محاضرة خاصة حول المدارس النحوية .

القبائل التي أخذت عنها العربية هي :قيس ، تميم ، أسد ،هذيل ، بعض كنانة ، بعض الطائيين .
و لم يؤخذ من لخم وجذام لمجاورتهم القبط ن ولا من قضاعة وغسان و اياد لمجاورتهم أهل الشام و أكثرهم نصارى يقرؤون بالعبرانية.
(الفارابي في كتابه الألفاظ والحروف. عن المزهر ج/ 1 ص 211 - 212)
أما ترتيب القبائل حسب نصيبها من الألفاظ القرآنية فهو كما يلي :
قريش ، هذيل ، كنانة ، حمير ، جرهم ، تميم ، قيس عيلان ، أهل عمان وأزدشنوءة ، خثعم ، طيء ، مذحج وغسان ، بنو حنيفة ، حضرموت ، أشعر ، أغار ، خزاعة ، بنو عامر ، لخم ، كندة ، سبأ ، أهل اليمامة ، مزينة ، ثقيف ، العمالة ، سعد العشيرة .
( مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ج/ 68 سنة 1991 ص 155)

4.11.16

اللسانيات الافريقية

 إن اللغات الأفريقية[2] عرفت بعض الدراسات المهمة، وإن كان هناك ثمة تباينٌ في هذه اللغات من حيث الفصائل والأسر من جانب، ثم قانون اللغة من جانب آخر، وقد حظي بشرف أغلب هذه البحوث ألسنيون غربيون، وقليل من الدراسات العربية وغيرها.
    ربما يندهش القارئ العزيز عندما يصطدم بهذا العنوان، المتمثل في " لغات أفريقيا " وإمكانية تحليلها في صفحات قلائل! وقد يندهش أيضا منْ مؤَلِفٍ يعرف كلَّ هذه اللغات!؟ وربما انتابه الحيرة في ربط اللغات الأفريقية بالتنمية لا المتوسطة ولا القريبة بل المستدامة[3]
    في الواقع، إن الموضوع ليس مدعاةَ للدهشة، إذ إن المؤلف يستعين على تحليل الموضوع بنتاج علمي لعدد من الباحثين والخبراء والانتربولوجيين، واللسانيين، والسوسيو لسانيين، والجغرافيين...إلخ من جانب، ينضاف إلى ذلك نتاج فرق بحثية للتخطيط اللغوي في العالم، التي تنبني على معطيات علمية من أبناء الدول أنفسهم أو مؤسسات رسمية تابعة للدول.
    للإجابة على مدى معرفة المؤلف لهذه اللغات الأفريقية اللامتناهية، فإن المؤلف في الواقع لا يعدو أن يكون لسانيا يسعى إلى وصف معطيات لسانية على نهج معين، ثم إن ذلك لا يمنعه ـ كأي أفريقي أيضا ـ أن يكون على دراية بعدد من اللغات.
    في الواقع ـ ربما لا يجانبني الصواب اليوم إذا قلت ـ إن كلمة " أفريقيا" تؤشر على الفقر، التي تحمل في طياتها المرض والجوع والعنف...إلخ؛ وأن هذا الوضع الاقتصادي الهش الذي تعيشه القارة منذ عقود ـ إذا لم نقل قرون ـ  ألاَ يعكس عفويا على واقع الحياة اللغوي. نقول: نعم! رغم ما تعانيه القارة السمراء من انهيار اقتصادي وفقر مدقع، فإن مما لا يتناطح فيه عنزان اليوم، أن بعض اللغات الأفريقية ـ التي سنراها في هذا البحث ـ مَهْما تعاني من صراع لغوي فإنها تعيش حالة لا بأس بها، وبالتالي يمكن أن تكون عُمْلة صعبة لدرِّ نفع وخلق تنمية مستدامة في أفريقيا.
     ويجب أن نضع النقاط على الحروف بأن ما سيتكرر لدينا من التطور اللغوي لا يدخل تحته تطور كائنيONTOGENÈSE  ولا تطور النوع PHYLOGENESE، ولا يهمنا كثيرا تطور الحقبة التاريخية [4]DIACHRONIEلهذه اللغات التي نحن بصددها؛ بقدرها يهمنا ـ في بحثنا ـ تطورُ عملية استعمال اللغات الأفريقية متمثلا في انتقالها من مرحلة استعمال شفهي إلى كتابة أبجدية[5] في مختلف مستوياتها اللغوية، واستعمالها في التعليم، وفي مستوى عال من التواصل، ولتكون سلعة تشترى في مختلف أسواق إقليمية ودولية.
     وسوف نحاول الإجابة في هذا البحث عن الأسئلة التالية: هل تتطور اللغات الأفريقية؟ إذا كان الجواب بنعم، فما مجالات هذا التطور؟ وما الوسائل المستخدمة في تنميتها؟ إذا كانت اللغات تستعمل في التنمية؛ أليست تعادل النقود والعملة؟ ماذا نجني من هذا التطوير؟ وهل تصلح كل اللغات الأفريقية لهذا التطور؟
----------------------------------------------------------------
 ـ دإسماعيل زَنْغُـو بَرَزِي، أستاذ مساعد في اللسانيات العامة والعربية بقسم اللغة العربية، جامعة بماكو، مالي. 
[2] ـ  تسفر أحدث دراسة ـ حسب علمي ـ عن أربع فصائل لغوية كبرى:1ـ نيجرـ كنغو: وحسب Grimes 1996 فإن هذه الفصيلة تمثل أكبر من نوعها على العالم من حيث المساحة والمستعملين؛ إذ تعرف 1436 لغة، وتحتضن عددا من الأسر اللغوية الكبرى كـ: الكردفانية، الماندي، أطلنطيك، إجويد ijoides، دوغون، فولتا، كنغو شمالية، كونغو جنوبي. وفي طياتها بعض اللغات الكبرى كـ: ولوف، فلانية، مانديغ، أكان، يروبا، إيبو، سانغو، وعدد هائل من لغات البانتو، منها: زولو، كونغو، لنغالا، لوبا، لوندا، روندي، شوانا، سوتو، سواحلية، تستوانا، خواسا، زولو.  2 ـ  نيلوـ صحراية: تعرف بعض الأسر المستقلة: صنغي، صحراوية، كولياك kuliak، أو غير المستقلة كـ: مابان، فُور، وسط السودان، برتا. 3 ـ أفروـ أسيوية: تعرف 371 متنوعة لغوية، مع أسرها اللغوية الكبرى: التشادية، الأمازيغية، المصرية، السامية، الكوشية، الأمويةOMOTIQUE ، ويلاحظ أنها الفصيلة الوحيدة المستعملة في أكثر من قارة، وذلك انطلاقا من اسمها. وتمثل العربية أكثرها من حيث الانتشار؛ إذ تمثل اللغة السائرة LIGUA FRANCA .4 ـ خويسان: تعرف في السابق بـ بـُشْمان Bushman  أو هوتنتوت Hottentotes، وتمثل أصغر فصيلة لغوية في أفريقيا، وحسب Greenberg  1963 A  أنها بلغاتها ولهجات تعد بالمئة أو أكثر، ولكن في الوقت الراهن انقرض منها الكثير فلم يبق منها إلا حدود الثلاثين. راجع، Heine &  Derek Nurse Bernd, Les langues Africaines 2004, Karthala, Parisـ  ،pp : 7- 122..
[3] ـ إن مصطلح "التنمية" يلفت انتباهنا إلى التنمية الاقتصادية، التي تعتمد على استغلال الموارد الطبيعية، كالزراعة والصيد والرعي...إلخ. فيمثل الدخلُ الأساس في غزارة التنمية، أو قلتها. أما التنمية المستدامة: فهي موضة من التنمية الاقتصادية والاجتماعية، تسعى إلى ضمان استمرارية الإرث الطبيعي للأرض، وتتعزز التنمية المستدامة بتدبير رشيد rationnellesللموارد الطبيعية  والإنسانية والاقتصادية، لتلبية الاحتياجات الأساسية للإنسانية جمعاء بشكل مناسب. راجع،  Encarta 2009
[4] ـ راجع، بسام بركة، معجم اللسانيات، جروس ـ برس، لبنان، بلا سنة. وقارنه، بـ دروس في الألسنية العامة، دي سوسير، ت/ صالح القرماد وآخرون، ص: 129،الدار العربية للكتاب، 1985، تونس
[5] ـ راجع عينة من أبجديات اللغات الأفريقية في الملاحق.

3.10.16

اللســـانيــــات الاجتـــماعيــــة




يمكن الحديث عن مقاربات لسانية خارجية  تندرج ضمن اللسانيات العامة أو تتقابل مع اللسانيات البنيوية الشكلية، نذكر منها ، على سبيل الخصوص، اللسانيات الاجتماعية، أو  علم الاجتماع اللغوي، أو علم اللغة الاجتماعي ، أو  السوسيولسانيات، … هي مسميات اصطلاحية مختلفة لعلم يدرس اللغة في ضوء علم الاجتماع، أو يربط الملفوظ اللغوي بسياقه التواصلي والاجتماعي والطبقي.
ومهما تعمقنا في الفوارق الموجودة بين اللسانيات وعلم الاجتماع اللغوي ، فلانجد فرقا كبيرا بينهما؛ لأن هدفهما واحد يتمثل في ربط اللغة بوظيفتها التواصلية والسياقية، والارتباط بالسياق الاجتماعي. وأكثر من هذا تصبح اللغة حدثا اجتماعيا بامتياز. لذا،  فاللسانيات ، في الحقيقة، هي اللسانيات الاجتماعية، مادامت اللغة نتاجا اجتماعيا بامتياز.
وعليه، ترتبط اللسانيات الاجتماعية بعلم الاجتماع من جهة أولى، والإثنولسانية من جهة ثانية، وسوسيولوجية اللغة من جهة ثالثة، والجغرافيا اللسانية من جهة رابعة، وعلم اللهجات من جهة خامسة. ويعني هذا أن اللسانيات الاجتماعية تستعمل آليات علم الاجتماع وأدواته في التحليل، وربط اللغة بالسياق المجتمعي، على أساس أن اللغة نتاج اجتماعي، أو تعبير عما هو مجتمعي.
 كما تستعين اللسانيات الاجتماعية بالإثنوغرافيا في دراسة اللغة لترابطها بالعرق والهوية والثقافة؛ مع استحضار المعيار الجغرافي في دراسة التبدلات والتغيرات والتنوع اللغوي واللهجي.                                                                              ذ.جميل الحمداوي 
كما للسانيات الاجتماعية علاقة وثيقة بعلم اللهجات؛ لأنها هدفها هو المقارنة بين اللهجات واللغة المعيارية من حيث الفونيتيك(علم الأصوات)، والفونولوجيا (علم وظائف الأصوات)، والصرف، والتركيب، والدلالة، والسياق التداولي أو التواصلي. بل يمكن الحديث عن التخطيط اللساني الذي يهتم بمشاكل التخطيط اللغوي، وبالضبط في الدول السائرة في النمو التي لاتعرف وحدة لسانية ، بالتركيز على اللغات واللهجات المعترف بها رسميا، بمراقبة تغيراتها الصوتية أو التحكم فيها.
إذاً، ما اللسانيات الاجتماعية؟ وما موضوعها؟ وما أهم الباحثين في هذا المجال؟ وما أهم تصوراتهم النظرية والتطبيقية؟ وما أهم التغيرات التي تدرسها اللسانيات الاجتماعية؟ وما أهداف هذا التخصص اللساني الجديد وغاياته وقيمته العلمية؟ هذا ما سوف نتناوله في موضوعنا هذا.
المطلب الأول: مفهوم اللغة في منظور اللسانيات الاجتماعية

تعد اللغة ظاهرة اجتماعية بامتياز. والدليل على ذلك أن المجتمع هو الذي خلق هذه اللغة بالاتفاق والاصطلاح والتواضع. وهذا ما دفع ابن جني ، في كتابه (الخصائص) إلى القول:” حد اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم“.[1]
ويرى فرديناند دوسوسير(F.De Saussure) أيضا أن العلاقة بين الدال والمدلول هي علاقة اتفاقية (Arbitraire). ويعني هذا أن اللغة نتاج اجتماعي، تعبر عن أفكار القوم وأغراضهم ومصالحهم ومنافعهم وعواطفعم وانفعالاتهم الشعورية واللاشعورية. وبما أن اللغة ظاهرة مجتمعية، فإنها تمتاز بقواعد جماعية مشتركة، تعبر عن لاشعور جمعي. وبالتالي، لايمكن للفرد أن يتصرف في هذه اللغة بالزيادة أو النقصان أو التغيير إلا ضمن تفاعل أو اتفاق اجتماعي. فمن يخطىء في اللغة، أو يرتكب هفوة ما في انتهاك معاييرها اللسانية، فإنه يتعرض لعقوبات مادية ومعنوية، كالسخرية من أخطائه، أو معاقبته بعدم النجاح، إذا كان الخطأ متعلقا بامتحان مصيري ما. وفي هذا الصدد، يقول علي عبد الواحد وافي:” فاللغة في كل مجتمع نظام عام يشترك الأفراد في اتباعه، ويتخذونه أساسا للتعبير عما يجول بخواطرهم، وفي تفاهمهم بعضهم مع بعض.
واللغة ليست من الأمور التي يصنعها فرد معين أو أفراد معينون، وإنما تخلقها طبيعة الاجتماع، وتنبعث، عن الحياة الجمعية، وما تقتضيه هذه الحياة من تعبير عن الخواطر، وتبادل للأفكار وكل فرد منا ينشأ ، فيجد بين يديه نظاما لغويا يسير عليه مجتمعه، فيتلقاه عنه تلقيا بطريق التعليم والمحاكاة ، كما يتلقى عنه سائر النظم الاجتماعية الأخرى ، ويصب أصواته في قوالبه، ويحتذيه في تفاهمه  وتعبيره.
واللغة من الأمور التي يرى كل فرد نفسه مضطرا إلى الخضوع لما ترسمه.وكل خروج على نظامها، ولوكان عن خطإ أو جهل، يلقى من المجتمع مقاومة تكفل رد الأمور إلى نصابها الصحيح. وتأخذ المخالف ببعض أنواع الجزاء.فإذا أخطأ فرد في نطق كلمة ما، أو استخدمها في غير  مدلولها، أو خرج في تركيب عبارته عن القواعد التي ترسمها لغته، كان حديثه موضع سخرية وازدراء من مستمعيه، ورموه بالغفلة والجهل، وقد يحول ذلك دون فهمهم لما يريد التعبير عنه. وليس هذا مقصورا على الخطإ الذي يسع الناطق إصلاحه، بل إن الخطأ الذي لايمكنه إصلاحه، لنشأته  مثلا عن خلل طبيعي في أعضاء النطق، قد يثير هو نفسه لدى السامعين بعض ما يثيره غيره من الأخطاء. ويجر على صاحبه بعض آلام ومتاعب في تعبيره  وتفاهمه. وإذا حاول فرد أن يخرج كل الخروج على النظام اللغوي، بأن يخترع لنفسه لغة يتفاهم بها، فإن عمله هذا يصبح ضربا من ضروب العبث العقيم، إذ لن يجد من يفهم حديثه، ولن يستطيع إلى نشر مخترعه هذا سبيلا.”[2]
وليست اللغة ، في منظور اللسانيات الاجتماعية، ظاهرة فردية وراثية أو عقلية، ولاظاهرة توقيفية خلقها الله أو جاء بها الوحي، وليست أيضا محاكاة طبيعية، بل هي ظاهرة اجتماعية، خلقها المجتمع للتعبير عن حاجياته ورغباته وهمومه وتطلعاته وآمانيه وآماله وطموحاته …
وما يهم اللسانيات الاجتماعية هو دراسة القوانين الثابتة والمطردة والمعيارية التي تتحكم في اللغة المجتمعية ، برصد نشأتها وتطورها وما يعتورها من شؤون ؛ واستكشاف مبلغ تأثرها بماعداها من الظواهر الاجتماعية الأخرى[3].
وهنا، ينبغي التنبيه إلى أن اللغة الإنسانية تتأثر بمجموعة من العوامل الاجتماعية، والعوامل النفسية، والعوامل الجغرافية، والعوامل السياسية، والعوامل التاريخية، والعوامل الدينية، والعوامل الحضارية، والعوامل التقنية، والعوامل الاقتصادية، والعوامل الفيزيولوجية والوراثية…وهذه العوامل كلها هي التي تخلق هجنتها وبوليفونيتها اللسانية والمجتمعية.

المطلب الثاني: تعريف اللسانيات الاجتماعية

من المعلوم أن هناك نوعين من اللسانيات: لسانيات شكلية داخلية   (Linguistique)  تهتم باللغة في حد ذاتها، بمراعاة مستوياتها الثابتة (المستوى الفونولوجي، والمستوى الصرفي، والمستوى الدلالي، والمستوى التركيبي)؛ ولسانيات خارجية (Extralinguistique) تعني بدراسة اللغة في ضوء سياقها التلفظي والاجتماعي أو بعدها السيكولوجي.
وهكذا، فإن اللسانيات الاجتماعية (la sociolinguistique) هي التي تعنى بدراسة التنوع المشترك بين الظواهر اللسانية والمجتمعية ، ورصد العلاقات الموجودة بين  هذه الظواهر بتحديد السبب والنتيجة. ويعني هذا ضرورة البحث عن أسباب التغيرات التي تحدث على المستوى اللساني، وربطها بمسبباتها الاجتماعية أو سياقها التلفظي والتواصلي[4].ويعرفها جون لاينز (John Lyons) قائلا:” هي دراسة اللغة من حيث علاقتها بالمجتمع”[5]
ومن هنا، فاللسانيات الاجتماعية هي التي تركز على الوظيفة الاجتماعية للغة .أي: تدرس مختلف التبدلات الاجتماعية للغة في علاقتها بالمتكلمين الناطقين، من حيث السن، والجنس، والفئة الاجتماعية، والوسط ، والمستوى المهني، والمستوى التعليمي؛ وتحليل العلاقة القائمة بين اللغة والممارسات الاجتماعية (العائلية، والدراسية، والوظيفية…). ثم تفسير الوظيفة الاجتماعية للغة، والاهتمام بقضايا لغوية واجتماعية كبرى تتعلق باللغة الأم، وموت اللغات، وعلاقة اللغة باللهجة والفصيلة، والثنائية والتعددية اللغوية، والأنظمة اللغوية المركبة والمعقدة، وتدبير التعدد اللغوي، والسياسات اللغوية ، والتخطيط اللغوي…[6]
وإذا كانت اللسانيات البنيوية السوسيرية تهتم بدراسة اللغة في حد ذاتها، ضمن ما يسمى باللسانيات البنيوية الشكلية(Linguistique formelle)، فإن اللسانيات الاجتماعية تدرس الكلام أوالتلفظ في علاقته بالسياق التواصلي الاجتماعي. وطبعا، هذا له علاقة وطيدة بلسانيات التلفظ عند باختين(Bakhtine)، وبنفنست(Benevinste)، ودوكرو(Ducrot)، وأوريكشيوني(Orecchioni)، ومانغونو(Maingueneau)، وآخرين…
ومن ناحية أخرى، لاتدرس اللسانيات الاجتماعية البنيات اللغوية الداخلية فقط، بل تنفتح على البنيات اللغوية الخارجية المرتبطة بالسياق التواصلي. ومن ثم، تعنى اللسانيات الاجتماعية بتطور اللغة في سياق اجتماعي معين، بالتركيز على التغيرات الصوتية والفونولوجية، والتغيرات الصرفية، والتغيرات التركيبية، والتغيرات الدلالية، والتغيرات الوظائفية.
ومن هنا، تهتم الللسانيات الاجتماعية بالتركيب والدلالة على المستوى الداخلي، وبعوامل خارجية لها آثارها الواضحة في تطور اللغة، مثل: العوامل الاقتصادية،  والعوامل الديمغرافية،  والعوامل الاجتماعية، إلخ…
وإذا كانت العوامل الداخلية والخارجية منفصلة عن بعضها البعض في الدراسات السابقة، فالآن ، لايمكن الفصل بينها إطلاقا في إطار اللسانيات الاجتماعية، فالواحدة منها تكمل الأخرى.
علاوة على ذلك، يمكن للسانيات الاجتماعية أن تدرس الشبكات الاجتماعية التي توجد ضمنها اللغة المتلفظة، إما في ضوء مقاربة كلية شاملة (الدولة أو المدينة)، وإما في ضوء مقاربة جزئية (الأسرة – مثلا)…
ومن المعلوم أن اللغة عبارة عن لهجة ، وقد تحولت إلى اللغة بامتلاكها للسلطة السياسية والقوة الاقتصادية. وبعد ذلك، فرضت نفسها مؤسساتيا ولسانيا ومجتمعيا، وأضحت لغة رسمية معيارية بقواعدها الرصينة.بيد أن هذه اللغة يمكن أن تتفرع ، مع مرور الزمان، إلى لهجات محلية وجغرافية واجتماعية وطبقية وفئوية وإثنية ، تخضع بدورها لتغيرات وتبدلات لسانية فونولوجية، وصرفية، ودلالية، وتركيبية. أو تنتج تلك التغيرات عن عوامل سياسية، واجتماعية، واقتصادية، وتاريخية، وثقافية، وحضارية، ودينية. ويعني هذا أن اللسانيات الاجتماعية هي التي تدرس تلك التغيرات اللغوية واللهجية في مختلف تجلياتها الصوتية، والصرفية، والتركيبية، والدلالية، بمراعاة السياق المجتمعي، والإنصات إلى التفاعلات الخارجية العائدة إلى السن، والنوع، والطبقة الاجتماعية، والإثنية العرقية…
وأكثر من هذا تعنى اللسانيات الاجتماعية بدراسة تطور اللغة في سياقها الاجتماعي الدياكروني التعاقبي، بمعرفة ما تغير من الظواهر اللسانية للهجة أو لغة ما ، سواء أكان هذا التغيير جزئيا أم كليا، وأيضا ما بقي ثابتا لم يتغير؛  مع رصد مختلف العوامل التي تتحكم في هذا التغير والثبات معا.
 وبهذا، يكون هدف اللسانيات الاجتماعية هو دراسة التبدلات والتغيرات اللسانية للغة أو لهجة ما. ولكن هذه التغيرات اللسانية لاتكون دائما دياكرونية تطورية، بل يمكن أن تكون سانكرونية، بدراستها بنيويا في إطار لغة أو لهجة ما.أي: دراستها دراسة داخلية محايثة، دون ربطها بتطوراتها التاريخية . وبهذا، تنبني اللسانيات الاجتماعية على منهجيتين متكاملتين: منهجية دياكرونية تعنى بتتبع الظاهرة اللسانية الاجتماعية في مختلف مراحلها التاريخية؛ ومنهجية سانكرونية تهتم بدراسة اللغة في إطارها البنيوي الداخلي.
المطلب الثالث: موضوع اللسانيات الاجتماعية

تدرس اللسانيات الاجتماعية مجموعة من المواضيع لها علاقة بماهو لساني وماهو مجتمعي في الوقت نفسه، مثل: اللغة والمجتمع، ومواصفات اللغة المعيارية، والهيمنة اللغوية، والسلطة اللغوية، والحروب اللغوية، واللهجات المحلية والجغرافية والاجتماعية، والتطور اللغوي، والصراع اللغوي، والاحتكاك اللغوي، وتفرع اللغات إلى اللهجات، والازدواجية اللغوية، والتعددية اللغوية، والتخطيط اللغوي، والتغيرات والتبدلات اللسانية، وموت اللغات، والدخيل اللغوي، والتداخل اللغوي، والتهجين أو الخلط اللغوي، والبوليفونية اللغوية والأسلوبية والصوتية، والتنضيد الطبقي، واللغات واللهجات، وتصحيح اللغة، وجودة اللغة، وتقعيد اللغة، والتلوث اللغوي، والأمان اللغوي، والسياسية اللغوية، ونشأة اللغة وتطورها وانقراضها، واللغة والبيئة اللسانية والاجتماعية، واللغة والهوية، واللغة الأم، وحماية اللغة، والتواصل اللغوي، والتفاعل اللساني والمجتمعي، ولسانيات التلفظ، وتعليم اللغات، والتأثر اللغوي، واللغة واستعمالاتها الاجتماعية، والإقصاء اللغوي، والتجديد اللغوي……
المطلب الرابع: أهداف اللسانيات الاجتماعية
تسعى اللسانيات الاجتماعية إلى دراسة اللغة في ضوء المقاربة الاجتماعية أو السوسيولوجية، بربط اللغة بسياقها التواصلي والتفاعلي  والتلفظي.أي: ربط اللغة بالمجتمع. ومن ثم، فهدف هذه اللسانيات هو وصف مختلف التغيرات والتبدلات الصوتية التي تعرفها اللغات واللهجات المحلية والجغرافية والطبقية والإثنية، والمقارنة بينها، والبحث عما هو مشترك ومختلف، والبحث عن عوامل هذا التبدل في ضوء المقاربة السوسيولوجية. ويعني هذا دراسة الجملة في سياقها التلفظي أو التداولي أو التواصلي أو التفاعلي أو الاجتماعي أو الوظيفي. ومن ثم، العمل على الجمع بين سياق الجملة والسياق الثقافي. فضلا عن فهم التنوع اللغوي واللهجي وتفسيره حسب السن، والجنس، والطبقات الاجتماعية، والإثنيات.
وعليه، فهدف اللسانيات الاجتماعية هو تقديم وصف منظم للتنوع اللغوي واللساني في علاقته بالتنوع الاجتماعي، ودراسة الكفاءة التواصلية في أبعادها السياقية الاجتماعية والثقافية والتفاعلية.

المطلب الخامس: ظهــور اللسانيات الاجتماعيـــة

 ظهرت اللسانيات الاجتماعية إبان سنوات الخمسين والستين من القرن العشرين رد فعل على اللسانيات البنيوية المغلقة والمنطوية على ذاتها ، وخاصة اللسانيات السوسيرية التي كانت ترى أن اللغة موحدة ومتشابهة من حيث البنية. ويترتب على هذا أن اللغة نظام نسقي موحد، لايعرف التنوع ولا التعدد. ومن ثم، فاللغة لها قواعد لسانية معينة . وبالتالي، فقد أقصى فرديناند دوسوسير العوامل المرجعية والخارجية في دراسة اللغة، كالعوامل النفسية، والعوامل الاجتماعية، والعوامل المرجعية . ولكن كيف يمكن أن نتحدث عن التطور اللغوي والمجتمعي، إذا كانت اللغة موحدة ومنسجمة وبسيطة وخالية من التعدد والتنوع البوليفوني واللساني؟ !!!
وقد ظهرت اللسانيات الاجتماعية كذلك رد فعل على اللسانيات التوليدية التحويلية لنوام شومسكي (N.Chomsky) التي تنادي إلى نحو كلي كوني وعالمي، مشيدة بدور الفرد المتكلم، معتمدة في ذلك على  قواعد مثالية مجردة افتراضية وصورية ، بعيدا عن الواقع والسياق التواصلي. ويعني هذا أن اللغة – حسب نوام شومسكي-  ذات طبيعة عقلية وفردية وراثية. في حين، ترى اللسانيات الاجتماعية أن اللغة ظاهرة اجتماعية مكتسبة.
ولم تتبلور اللسانيات الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية إلا في سنوات الستين من القرن الماضي مع وليام لابوف (William Labov) الذي يعد الأب الحقيقي للسانيات الاجتماعية. في حين، يعد فرديناند دوسيوسير الأب الحقيقي للسانيات العامة .
هذا، ولم تتبوأ اللسانيات الاجتماعية مكانتها الحقيقية في فرنسا إلا بفضل الدراسات والمراكز والمختبرات اللسانية الماركسية ، كما هو الحال مع جان بابتيست مارسيليسي  (Jean-Baptiste Marcellesi) وأعضاء التيار الألتوسيري؛ نسبة إلى لوي ألتوسير(L.Althusser).
هذا، وقد انصبت اللسانيات الاجتماعية الفرنكفونية على مجموعة من الظواهر اللسانية ، مثل: التعددية اللغوية، والتغيرات اللسانية، والاحتكاك اللغوي، والصراع اللغوي، وتعليم اللغات، والتأثر اللغوي، وتفرع اللغة المعيارية إلى لهجات ولغات ، والتطور اللغوي، ومواصفات اللغة المعيارية، واللغة واستعمالاتها الاجتماعية، والإقصاء اللغوي، والتجديد اللغوي، والتخطيط اللغوي، والتلوث اللغوي، والبيئة اللغوية…
المطلب السادس: أعلام اللسانيات الاجتماعية
يعد اللساني الأمريكي ويليام لابوف (William Labov) المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع اللغوي المعاصر(la sociolinguistique) بكتابه الذي نشره سنة 1966م تحت عنوان (التنضيد الاجتماعي للإنجليزية في نيويورك)[7].
ومن الباحثين الآخرين الذين اهتموا بعلم الاجتماع اللغوي نذكر: بازيل بيرنشتاين(Basil Bernstein)[8]، وفيليب بلانشي(Philippe Blanchet)[9]، وماري لويز مورو(Marie-Louise Moreau)، ولويس جان كالفي(Louis-Jean Calvet)، وديل هيمس(Dell Hymes)، وميشيل فرانكار(Michel Francard)، وجان بابتيست مارسيليسي(Jean-Baptiste Marcellesi)، وديبورا تانين (Deborah Tannen)، وجاكلين بيليي(Jacqueline Billiez)، وتيري بولو(Thierry Bulot)، وخوصي ماريا سانشيز كاريون (José María Sánchez Carrión)، وتوليو دي مورو(Tulio Di Mauro)، وهنري بوير(Henri Boyer)، وجاكي سيمونان(Jacky Simonin)، وهودسون (Hudson)[10]، وبيتر ترودجيل (Trudgill, Peter)[11]
المطلب السابع: تطــــور اللغـــة

ثمة عدة عوامل متنوعة ومختلفة ومتعددة تساهم في تطور اللغة سانكرونيا ودياكرونيا، ويمكن حصرها في:
العوامل الاجتماعية التي تتمثل في حضارة الأمة، ونظمها، وعاداتها، وتقاليدها، وأعرافها، وعقائدها، وأنشطتها، وثقافتها العامة، واتجاهاتها الفكرية والعقلية والوجدانية. ويعني هذا أن اللغة تتطور بتطور الأمة حضاريا، كأن تنتقل من مرحلة البداوة نحو حضارة العمران والمدنية، أو تنتقل من مرحلة الطبيعة والغاب إلى مرحلة الدولة والقانون.ويترتب على ذلك تغير في اللغة على جميع المستويات: الصوتية، والصرفية، والتركيبية، والدلالية، والتداولية.
فعندما انتقلت الأمة العربية من الجاهلية نحو الإسلام، تغيرت كثير من العادات والأعراف والسلوكيات الاجتماعية. كما وقع تطور على مستوى اللغة. ويظهر هذا جليا على مستوى الشعر.فقد أصبحت اللغة الشعرية، في صدر الإسلام، لغة مهذبة ونقية وصافية ومحتشمة، تطفح بالمعجم الديني الإسلامي الذي نقحه القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. وقد شهد العصر العباسي أيضا تطورا لغويا واضحا بعد الانتقال من حياة البداوة نحو حياة الحضارة، ووقع انفتاح واسع على الشعوب المجاورة.ومن ثم، تطورت اللغة العربية ، فتأثرت باللغة الفارسية، واللغة الهندية، واللغة التركية، واللغة الأمازيغية، ولغات الروم…
 vتأثر اللغة باللغات الأخرى المجاورة. ويعني هذا أن اللغات واللهجات تتعرض للتطور عبر الاحتكاك اللغوي، فتنتقل ألفاظ لغة أو لهجة ما إلى لغة أو لهجة مجاورة، بفعل التقارب والاحتكاك والتواصل والتفاعل والتبادل التجاري والحروب السياسية ، وبفعل الغلبة والهيمنة والسيطرة، وبفعل الدين كذلك. فاللغة الإنجليزية – مثلا- قد أخذت الكثير من اللغة النورماندية القريبة. كما تأثرت اللغة الأمازيغية باللغة العربية أثناء الفتوحات الإسلامية، وتأثرت اللهجات الجزائرية باللغة الفرنسية تأثرا واضحا، يتجلى ذلك في المعجم اللغوي، والتعابير التركيبية الموظفة. وتتضمن اللغة العربية كثيرا من المفردات من أصل فارسي، وهندي، وأعجمي، وعبري…
 wالعوامل الأدبية والإبداعية التي تخدم اللغة بما تنتجه من ألفاظ وتعابير وتراكيب؛ وتقوم معاهد التعليم والمجامع اللغوية بدور كبير في حماية  اللغة وترقيتها وتطويرها. ويعني هذا أن الإبداع الأدبي بصفة خاصة، والتأليف بصفة عامة، لهما دور مهم في تطوير اللغة وتنميتها وترقيتها اقتباسا، وتوليدا، واقتراضا، ونحتا، واشتقاقا، واستعمالا. وبالتالي، فالأدباء والمفكرون يطورون اللغة عبر الاحتكاك بثقافات الشعوب المجاورة أو البعيدة، وترجمة آثارهم الفكرية والأدبية والفنية والعلمية، وتلخيص كتاباتهم، والتعريف بإبداعاتهم، والتأثر بمدارسهم واتجاهاتهم الأدبية والفنية والفكرية. وللتمثيل، فقد ساهم الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية في تطوير اللغة الفرنسية المعيارية. وينطبق هذا الحكم كذلك على الأدب الأفريقي الذي خدم الأدب الفرنسي خدمات جلى. وساهم كذلك الأدب الأمريكي اللاتيني في تطوير الأدب الإسباني لغة وبنية وتركيبا وتداولا ومعجما.
 x انتقال اللغة من السلف إلى الخلف، ويعني هذا أن اللغة تتطور وتختلف من السلف إلى الخلف، أو من جيل إلى آخر عن طريق المحاكاة والتعلم والابتكار والإبداع، وتغير الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.ومن ثم، فليست لغة الأجداد التراثية هي لغة الأبناء والأحفاد  المعاصرين.
yالعوامل الطبيعية والجغرافية  والفيزيولوجية والإثنولوجية.ويعني هذا أن اللغة تختلف من مكان جغرافي إلى آخر، أو تختلف حسب طبيعة الشعوب الوراثية وطبيعة أعضاء النطق. فثمة فوارق لغوية كبيرة بين لغة البادية ولغة الحضر، أوبين لغة الجبال ولغة السهول، أوبين لغات المناطق الحارة والمناطق الباردة والمعتدلة… وثمة شعوب لاتستطيع أن تنطق الجيم، مثل: إسبانيا التي تنطقها خاء.  وهناك شعوب لاتعرف حرف الذال العربية كالشعب الفرنسي…
 yالعوامل اللغوية… ويقصد بها تلك العوامل ” التي تؤثر في تطور الأصوات فيرجع أهمها إلى ثلاثة أمور: أحدها تفاعل أصوات الكلمة بعضها مع بعض؛ وثانيها موقع الصوت في الكلمة؛ وثالثها تناوب الأصوات وحلول بعضها محل بعض”.[12]
هذه أهم العوامل التي تساهم في نشأة اللغة وتطورها داخليا وخارجيا ، وقد حصرناها في العوامل الاجتماعية، والعوامل اللسانية، والعوامل الطبيعية والجغرافية والفيزيولوجية والإثنوغرافية، والعوامل الأدبية والإبداعية، وانتقال اللغة من السلف إلى الخلف،وعامل التأثير والتأثر ، وعامل الاحتكاك باللغات المجاورة.
المطلب الثامن: الصـــراع اللغــــوي

يعد قانون الصراع اللغوي من أهم القوانين الأساسية التي تخضع لها اللغة إلى جانب قانون التطور، وقانون الاحتكاك، وقانون التبدل والتغير…ويعني هذا أن اللغة قد تفرض نفسها على لغة أو لغات أخرى بعد انتصارها وغلبتها. وقد تندحر اللغة بعد انهزامها ، أو تقصى وتهمش بعد فقدان أهميتها السياسية، والعسكرية، والاقتصادية.
إذاً، ” يحدث بين اللغات ما يحدث بين أفراد الكائنات الحية وجماعاتها من احتكاك وصراع وتنازع على البقاء، وسعي وراء الغلب والسيطرة.وتختلف نتائج هذا الصراع باختلاف الأحوال.فتارة ترجح كفة أحد المتنازعين، فيسارع إلى القضاء على الآخر مستخدما في ذلك وسائل القسوة والعنف، ويتعقب فلوله فلايكاد يبقى على أثر من آثاره.وتارة ترجح كفة أحدهما كذلك، ولكنه يمهل الآخر، وينتقص بالتدريج من قوته ونفوذه، ويعمل على خضد شوكته شيئا فشيئا حتى يتم له النصر.وأحيانا تتكافأ قواهما أو تكاد فتظل الحرب بينهما سجالا  ، ويظل كل منهما في أثنائهما محتفظا بشخصيته ومميزاته.”[13]
وقد ينتج هذا الصراع اللغوي عن الاحتكاك اللغوي من جهة، أو هجرة أقوام إلى البلد المضيف ينطقون لغة غير لغة القوم من جهة أخرى. ويعني هذا إما أن يقع نزوح عناصر أجنبية إلى البلد عبر الفتوحات أو الحروب أو الاستعمار أو الهجرة ، فيقع صراع بين اللغة المحلية و لغة النازح، فتنتصر اللغة التي لها الغلبة والقوة والسلطة والنفوذ، وتضمحل لغة الضعيف، وتتضاءل قيمتها أمام لغة العدو. وقد يكون الصراع بين اللغة الراقية واللغة المتدنية، أو يكون الصراع بين لغة متقدمة علميا (اللغة الإنجليزية) ولغة متخلفة في ذلك المجال(اللغة الإسبانية أو البرتغالية). وقد تنقرض لغة إما بطريقة سريعة ومفاجئة، وإما بطريقة متدرجة حسب طبيعة ضعف الدولة وتقهقرها الحضاري.
وقصارى القول:” متى اجتمع لغتان في بلد واحد لامناص من تأثر كل منهما بالأخرى، سواء أتغلبت إحداهما أم كتب لكلتيهما البقاء. غير أن هذا التأثر يختلف في مبلغه ومنهجه ونواحي ظهوره ونتائجه في الحالة الأولى عنه في الحالة الثانية.
فإذا كان الغلب كتب لإحداهما نراها تسيغ كل ما تأخذه  من الأخرى مهما كثرت كميته، فيستحيل إلى عناصر من نوع عناصرها، فتزداد به قوة ونشاطا؛ بدون أن تدع له مجالا للتأثير في بنيتها أو تغيير تكوينها الأصلي؛ على حين إن المغلوبة لاتقوى على مقاومة  ما تقذفها به الغالبة من مفردات وقواعد وأساليب، ولا تكاد تسيغ ما تتجرعه منها، فيتخمها ويضعف بنيتها، فتخور قواها وتفنى أنسجتها الأصلية شيئا فشيئا حتى تزول: كما  كان شأن الإنجليزية الغالبة مع النورماندية المغلوبة.
وإذا كان البقاء قد كتب لكلتيهما تعمد كل منهما إلى ما تأخذه من الأخرى فتسيغه وتفيض عليه من حيويتها وتقاوم آثاره الهدامة ، فتبقى كل منهما متميزة الشخصية  وموفورة القوى سليمة البناء: كما كان شأن الفارسية مع العربية .[14]
وهكذا، يتضح لنا أن الصراع اللغوي مظهر من مظاهر الحياة اللغوية الطبيعية في المجتمع الإنساني.
المطلب التاسع:  التنوع اللغوي واللهجي
من المعروف أن الفصيلة اللغوية تتفرع إلى مجموعة من اللغات، وتتفرع كل لغة على حدة إلى لهجات متنوعة .  ومن هنا، فاللغة المعيارية الأصلية (La langue Standard) تتفرع إلى عدة لهجات محلية (Dialectes Locaux) ولهجات اجتماعية (Dialectes sociaux).فيقصد بالأولى انقسام اللغة إلى مجموعة من اللهجات الجغرافية المحلية. في حين، تدل الثانية على انقسام اللغة إلى مجموعة من الطبقات الاجتماعية أو فئات وطوائف وطبقات سكانية واجتماعية.
هذا، ويعود انتشار اللغة إلى عوامل الصراع اللغوي، وعامل الهجرة والنزوح والحروب، وعامل الاحتكاك اللغوي بين المناطق المتجاورة، وقد تنتشر اللغة بفضل النمو الديمغرافي ، وتطور عمرانها البشري. وكلما اتسع عدد أفراد المتكلمين بلغة معينة، وتوسعت الرقعة الجغرافية، قد تنفصل منطقة جغرافية ما عن سلطة المركز، فتكون لنفسها لغة خاصة بها تحافظ على بعض القواعد الموجودة في اللغة الأصلية. وبعد ذلك، تزداد الفوارق بشكل تدريجي. والدليل على ذلك انقسام الفصائل اللغوية إلى لغات ثم إلى لهجات. كما أن تفرق أمازيغ المغرب في البلاد أدى إلى وجود ثلاث لهجات مختلفة في كثير من الملامح اللسانية والاجتماعية، وهي: اللهجة الريفية بمنطقة الريف، ولهجة تاشلحيت في مختلف مناطق سوس، ولهجة تامازيغت بالأطلس المتوسط.
وثمة عوامل أخرى تقوم بدور هام في تفريع اللغة إلى لهجات ، مثل: العوامل السياسية، والعوامل الاجتماعية، والعوامل الإثنية والعرقية، والعوامل الجغرافية، والعوامل الشعبية، والعوامل النفسية والمزاجية…وبذلك، تحدث اختلافات صوتية، وصرفية، وتركيبية، ودلالية.
المطلب العاشر: التغيرات والتبدلات اللسانية

تدرس اللسانيات الاجتماعية مجموعة من التغيرات والتبدلات اللغوية الناتجة عن العوامل و الآثار الاجتماعية.أي: تصف مختلف التغيرات التي تطرأ على اللغة داخل المجتمع، وهي على أربعة أصناف:
” uتغييرات تاريخية مرتبطة بعامل الزمن.
vتغييرات مكانية تتصل بالتوزيع الجغرافي للغة، وبحسب المناطق والجهات.
wتغييرات ذات صلة بأشكال استعمالات اللغة ومستوياتها بالنظر إلى الطبيعة الاجتماعية- الاقتصادية للناطقين بتلك اللغة.
xتغييرات يتحكم فيها السياق الاجتماعي، ما يضعنا أمام سجلات مختلفة للغة مرتبطة بمناسبة الحديث والمستوى الثقافي للمتلكم اللغوي[15].”
ويتحدث وليام لابوف عن تغيرات دياكرونية، وتغيرات جغرافية، وتغيرات لها علاقة بالسجلات أو الطبقات اللغوية، وتغيرات لها علاقة بالطبقات الاجتماعية. وبتعبير آخر، هناك تغيرات لسانية سانكرونية، وتغيرات دياكرونية، وتغيرات في اللغة المعيارية، وتغيرات في اللهجات المحلية، وتغيرات في اللهجات الاجتماعية والفئوية والطبقية…
ومن هنا، تنبني اللسانيات الاجتماعية على مفاهيم إجرائية أساسية هي: المعيارية، والتنوع، والتبدل أو التغير، وأنواع التغير، والسياق الاجتماعي، وأسباب التبدل ونتائجه…
وعلى العموم، تخضع اللغات لتبدلات وتغيرات لسانية (اللغة المعيارية في مقابل اللهجة)، وتبدلات جغرافية ( لغة العاصمة ولغة المدن الأخرى)، وتبدلات فضائية محلية ( لغة المدينة ولغة البادية)، وتبدلات طبقية اجتماعية (لغة الفقراء ولغة الأغنياء)، وتبدلات إثنية (لغة الأمازيغ ولغة  الباسك أو الأكراد)، وتبدلات جنسية (لغة النساء ولغة الرجال)، وتبدلات عمرية (لغة الأطفال ولغة الشباب ولغة الشيوخ)، وتبدلات دينية (لغة المثقفين العصريين ولغة المثقفين من رجال الدين)، وتبدلات سياسية (لغة النخبة السياسية ولغة العامة)…
وعليه، تستند اللسانيات الاجتماعية إلى دراسة مجموعة من المكونات الاجتماعية، مثل: السن، والجنس، والطبقة الاجتماعية، والإثنية أو العرق.
ونلاحظ في المجتمع الواحد مجموعة من العاميات واللهجات واللغات الطبقية  المتنوعة والمختلفة  (sociolectes) التي تفرعت عن اللغة الأم المعيارية، ويمكن حصرها – مثلا- في:  لغة الأطفال، ولغة الشباب، ولغة الرجال، ولغة النساء، ولغة الطلبة، ولغة المتعلمين، ولغة الأسياد، ولغة أصحاب الشهادات والدبلومات، ولغة الأغنياء، ولغة الفقراء، ولغة العلماء، ولغة الفلاحين، ولغة السياسيين، ولغة المهنيين…

المطلب الحادي عشر: تصورات لسانية اجتماعية مختلفة

يمكن الحديث عن مجموعة من التصورات النظرية والتطبيقية التي تندرج ضمن اللسانيات الاجتماعية، ويمكن التوقف عند بعضها لاستجلاء مختلف مرتكزاتها النظرية والمفاهيمية وآلياتها المنهجية والتطبيقية على الوجه التالي:

الفرع الأول: شارل فيركسون والازدواجية اللغوية
يعد الأمريكي شارل فركسون (Charles Ferguson) من أهم رواد اللسانيات الاجتماعية . وقد ركز كثيرا على الازدواجية اللغوية[16] واحتكاك اللغات . كما اهتم بالوضعية اللسانية في إثيوبيا[17]
والمقصود بالازدواجية اللغوية (La diglossie) هو استعمال مستويين لغويين مختلفين: أحدهما من مستوى فصيح، والثاني عامي. وقد تعني الازدواجية اللغوية التنافس بين لغة رسمية مكتوبة ومدونة ولغة عامية شعبية. أما شارل فريكسون، فيعرفها بأنها حالة لغوية ثابتة وقارة ، تتضمن نمطين لغويين: نمطا لغويا عاليا وراقيا ورفيعا معترفا به، يتعلمه الناس في المدارس الحكومية، ويتخذ طابعا رسميا ومؤسساتيا، ويستخدم لأغراض كتابية وتواصلية، وأيضا في المحادثات الرسمية، كاللغة العربية الفصحى- مثلا- ؛ ونمطا عاميا وشعبيا متدنيا، يستعمله الناس لأغراض تواصلية شفوية عادية. كما يستعمل داخل المنزل والأسرة والشارع، كما هو حال الدارجة أو العامية المحلية.
وقد درس فيركسون أربغ لغات هي: العربية، واليونانية، والألمانية السويسرية، واللغة الهجينة في هايتي،  بغية معالجة ظاهرة الازدواجية اللغوية. ومن هنا، فقد ميز مستويات هذه اللغات وأنماطها الراقية والشعبية في الجدول التالي:
الحالةنمط راق وعالنمط شعبي وعامي
المواعظ في المسجد أو الكنيسةO
التعليمات للخدم والعمال والكتبةO
الرسائل الشخصيةO
محاضرات الجامعةO
الخطبة في مجلس الأمة؛ الحديث السياسيO
الحديث مع الزملاء والأصدقاء وأفراد العائلةO
إذاعة الأخبارO
التمثيليات الاجتماعية في الإذاعةO
افتتاحية الصحف، أخبار الصحف والعناوينO
التعليق على الكاريكاتورO
الشعرO
الأدب الشعبيO
إذاً، يتحدث شارل فيركسون عن ظاهرة الطبقات اللغوية في علاقتها بالطبقات الاجتماعية، مع التمييز بين الجملة المعيارية والجملة الشعبية. كما تحدث شارل فيركسون (Charles Ferguson) عن مستويين من اللغة: المستوى العالي(العربية الفصحى – مثلا- )، والمستوى المتدني (العاميات واللهجات المتفرعة عن العربية الفصحى- مثلا-).ويعني هذا أن فركسون يميز بين العربية الفصحى والعاميات العربية ، والألمانية المعيارية والألمانية السويسرية، وفرنسية هايتي المهجنة والمختلطة. ومن ثم، فهناك مستوى لغوي مفضل، ومستوى لغوي مستهجن.
ويرى الباحث المغربي عبد الكريم بوفرة أن ويليام لابوف” أغفل حقيقة لغوية اجتماعية  أخرى لاتقل أهمية عن مجمل نظريته اللغوية –الاجتماعية عموما، وهي إمكانية وجود اختلاط وتداخل بين المستويين اللغويين داخل جزر هايتي نفسها على لسان أفراد محليين من مستوى ثقافي عال.ويكون عبارة عن جمع بين اللغة الفرنسية والهجنة المحلية لدرجة يمكن الحديث فيها عن (Une Interlangue) بالمعنى اللساني- الاجتماعي للكلمة.علاوة على هذا كله، يحاول التصور أعلاه الانطلاق من فكرة خاطئة تقوم على إمكانية تصور التغيرات الصوتية قارة وثابتة. أي: غير قابلة للتحول أو التغيير.”[18]
وعليه، تعد الازدواجية اللغوية من أهم القضايا التي اهتمت بها اللسانيات الاجتماعية، وخاصة في الحقل اللساني الغربي، وبالضبط مع شارل فريكسون.
الفرع الثاني: جان بابتيست مارسيليسي والتفاعل اللساني

يعد جان ماري مارسيليسي(Jean-Baptiste Marcellesi) من أهم مؤسسي اللسانيات الاجتماعية في فرنسا، وقد اهتم بالتفاعل اللساني باعتباره حدثا ديناميكيا مهما. كما اهتم بالثنائية اللغوية، واختار لهجة كورسيكا نموذجا تطبيقيا لذلك من أجل استكشاف منطق الصراع والسلطة والهيمنة.

ومن جهة أخرى، فقد اهتم الباحث بإبستمولوجيا اللسانيات الاجتماعية، بالتوقف عند نظرياتها، وأفكارها،  ومفاهيمها ، وتاريخها، ومنهجياتها. كما انصب اهتمامه على اللهجات المحلية، ولاسيما تغيرات لهجة جزيرة كورسيكا. ويعني هذا أنه مهتم باللهجات المحلية المتعددة [19]، ولغة الأم، وبناء ميتودولوجيا اللسانيات الاجتماعية، والعناية بلغات الأقليات، والتمييز بين اللسانيات الشكلية واللسانيات الاجتماعية[20]. وقد أشرف على مجلة (دفاتر اللسانيات الاجتماعية) منذ عشرين سنة.
وعلى أي حال، فقد درس جان ماري مارسيليسي مجموعة من اللهجات المحلية، مثل: الكورسيكية، والفلامانية، والباسكية، والبروتانية، وجرمانية الألزاس والأكيتان… بوصف مختلف التعارضات والتقابلات اللسانية والاجتماعية الموجودة بين اللغة المعيارية (اللغة الفرنسية) وتلك اللهجات التابعة للغة الفرنسية، مع التركيز على مختلف التأثيرات الخارجية التي خضعت لها هذه اللهجات المختلفة والمتنوعة[21].

الفرع الثالث: ديل هيمس والنسق التواصلي الاجتماعي

يعد الأمريكي ديل هاتاواي هيمس(Dell Hathaway Hymes) (1927-2009) من أهم رواد اللسانيات الاجتماعية. وقد اهتم بالأنتروبولوجيا والفلكلور . وقد انصب اهتمامه على لغات الشمال الغربي للمحيط الهادي. وعرف بالكفاءة التواصلية وبنموذج S.P.E.A.K.I.N.G. ويعني هذا أن اللسانيات الاجتماعية تعنى بالكفاية التواصلية، بربط اللغة بمحيطها المجتمعي، وفق ثمانية عناصر أساسية تشكل الخطاب التواصلي الاجتماعي، وفق حروف (S.P.E.A.K.I.N.G). وهذه العناصر هي:
u الإطار (Setting /cadre )، يتحدد بالمكان، والزمان وأجواء الخطاب؛
 vالمشاركون (Participants ou participants): الشخصيات الحاضرة، وليس بالطبع الشخصيات المتلفظة؛
wالأهداف أو الغايات(Ends / finalités ): هدف اللقاء؛
 x الأفعال أو المنتوج(Acts / produits ): الرسائل نفسها؛
 y المفاتيح أو الإيقاعات (Keys/ tonalites): الخصائص الإيقاعية والتنغيمية للرسائل ، مثل: الصوت، والنغمة…؛
zالوسائل التواصلية (Instrumentalities ou moyens de la communication): اللغة المكتوبة، واللغة المغناة، واللغة الشفوية، واللهجات، ومستويات اللغة، إلخ…؛
 {المعايير (Norms ou normes ): معايير التفاعل وقواعده التي تتحكم في الكلام والتأويل، وتأثير الخلفيات المعرفية والثقافية والاجتماعية؛
|الأجناس أو أنواع الخطاب(Genres ou types de discours)) (الحكايات، والتاريخ، والملاحم، والمآسي…).
ويتضح مما، سبق قوله، أن اللغة تعرف تغيرات متنوعة ومختلفة.ومن ثم، فما يميزها خاصية  التعقيد على مستوى التفاعل وبناء الخطاب.ومن ثم، لكل مجتمع قواعده الخاصة في التواصل[22].
الفرع الرابع: أنطوان مييي  والبعد الاجتماعي للسانيات
يعتبر أنطوان مييي(Antoine Millet) (1857-1936)؛ تلميذ فرديناند دوسوسير(F.De.Saussure)، من اللغويين الفرنسيين الأوائل الذين اهتموا باللسانيات المقارنة، ودراسة اللغات الهندو أوروبية وتاريخها[23]. ومن ثم، فقد تحدث عن الطابع الاجتماعي للغة، وقد اعتبر اللغة حدثا اجتماعيا متميزا، متأثرا في ذلك بإميل دوركايم(Emile Durkheim). وقد أثبت أن الدراسة اللسانية الحقيقية هي التي تجمع بين ماهو سانكروني وماهو دياكروني .أي: بين ماهو لغوي وماهو اجتماعي تاريخي تطوري، ضمن نظام متكامل يجمع بين اللغة وظواهر المجتمع.
ويرى أنطوان مييي أن اللغة واقعة أو ظاهرة اجتماعية، ويترتب على ذلك أن اللسانيات من العلوم الاجتماعية. وبالتالي، فهي التي تدرس التغير اللغوي أو اللساني الذي يعكس بدوره التغير الاجتماعي.
الفرع الخامس: الاتجاه الماركسي والبعد الاجتماعي للغة
تبنى كثير من الباحثين اللسانيين المنظور الماركسي في تحليل اللغة بربطها بالمجتمع، اعتمادا على تصورات كارل ماركس(Marx)، وفريدريك أنجلز(Engels)…
ومن أهم هؤلاء الباحثين مارسيل كوهن(Marcel Cohen)، وبول لافارج (Paul Lafarge) الذي درس اللغة الفرنسية في علاقتها بالثورة الفرنسية؛ إذ رصد مختلف التغييرات اللغوية والمعجمية التي نتجت عن تلك الثورة.
ويعني هذا أن ثمة جدلية بين اللغة والفكر. وبالتالي، فاللغة نتاج المجتمع أو نتاج الصراع الاجتماعي والتفاوت الطبقي. ومن ثم، تعبر اللغة عن وعي طبقي لكل فئة اجتماعية على حدة. علاوة على ذلك، ترتبط اللغة بالظروف الاجتماعية والمادية والاقتصادية، وتتأثر بها إيجابا أو سلبا. فلغة الطبقة البورجوازية – مثلا- تختلف عن لغة الطبقة البروليتارية.
وهناك باحثون آخرون يحسبون على هذا الاتجاه، مثل: ميخائيل باختين(Bakhtine)، ورومان جاكبسون(Jacobson)، ونيكولاي مار(Nicolaï Marr)  الذي كان يدعو إلى لغة عالمية واحدة؛ مثل: اللغة الاصطناعية (الإسبيرانتوEsperanto) . وقد قسم هذا الباحث الروسي اللغات ، من حيث نشأتها التاريخية، إلى أربع مراحل حسب المقاطع الصوتية الأربعة التي كان يستعملها الكهنة والسحرة (Sal,Ber,Yôn,Roch)
المرحلة الأولى: اللغة الصينية واللغات الأفريقية؛
المرحلة الثانية: اللغات الطورانية واللغة التركية؛
المرحلة الثالثة: اللغات القوقازية واللغات الحامية؛
المرحلة الرابعة: اللغات الهند-أوروبية واللغات السامية.
ويعتبر كل مرحلة من هذه المراحل اللغوية دلالة على تقدم معين. وتحمل هذه النظرية ، في جوهرها، رؤية عنصرية ماركسية، هدفها توحيد اللغات ضمن لغة واحدة، والقضاء على الأخرى، كالقضاء على الصراع الطبقي ووجود الدولة. وقد تحولت النظرية الماركسية للغة ، في الاتحاد السوفياتي، إلى (النظرية اللسانية الجديدة)، واستمرت إلى غاية سنوات الخمسين من القرن الماضي.
وقد تميزت النظرية البوليفونية عند ميخائيل باختين بطابعها اللساني الاجتماعي. وتعني البوليفونية تعددية في الأصوات ، وتعددية في اللغات واللهجات، وتعددية في الرواة والسراد، وتعددية في الرؤى إلى العالم، وتعددية في الفضاءات، وتعددية في الأساليب، وتعددية في الطبقات الاجتماعية. وهنا، نتحدث عن مفهوم التهجين، ومفهوم الأسلبة، ومفهوم التنضيد الطبقي…
الفرع السادس: ويليام لابوف والعامل الطبقي

أثبت العالم الاجتماعي الأمريكي وليام لابوف (William Labov) صعوبة فصل اللغة عن المكون الاجتماعي الأساسي فيها. ومن ثم، أشار إلى أهمية ربط بنية اللغة من اللغات بالسياق الاجتماعي العام الذي تنشأ فيه تلك اللغات، لدرجة استبعد فيها أي إمكانية للفصل بين اللسانيات وعلم اللغة الاجتماعي.وإذا كانت اللغة ظاهرة اجتماعية، فإن اللسانيات ذات بعد اجتماعي[24].
و ” قد انتقد وليام لابوف كثيرا نظرية نوام شومسكي القائمة حسب رأيه على فكرة مثالية عن اللغة باعتبارها ملكا للفرد والمتلكم باللغة. ومرد هذا النقد اعتبار لابوف للغة الإنسانية وسيلة اجتماعية في التواصل؛ مما يجعلنا أمام نظرية مادية لوظيفة اللغة الإنسانية داخل المجتمع.فالمهم بالنسبة إليه هو اللغة داخل المجموعة اللسانية المتكلمة بها، وليس اللغة كما هي على لسان الفرد.”[25]
ويعني هذا أن اللغة – حسب نوام شومسكي-  ذات طبيعة عقلية وفردية وراثية. في حين، ترى اللسانيات الاجتماعية أن اللغة ظاهرة اجتماعية مكتسبة.
ويرى وليام لابوف أن التغيرات اللسانية وتبدلاتها من شخص إلى آخر تعود إلى الطبقة الاجتماعية. ومن هنا، توقف عند نطق الفونيم الراء(R) في اللغة الإنجليزية بمدينة نيويورك.  منطلقا من فرضية أساسية هي أن التغير الصوتي راجع إلى الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها المتكلم. وقد وضح هذا في كتابه ( التنضيد الاجتماعي للغة الإنجليزية في نيويورك)[26].
وقد تميز بحثة بالخاصية الميدانية، إذ اختار مجموعة من متاجر اللباس التي يرتادها الفقراء والأغنياء.ويعني هذا أن الباحث قد اختار عينات مختلفة حسب الطبقات الاجتماعية التي تعيش في نيويورك.أي: متاجر فخمة، ومتاجر متوسطة، ومتاجر شعبية. وقد وضعت ألبسة النيلون في الطبق الرابع من المتجر، وكان لابوف يسأل كل زبون عن هذا اللباس مستخدما المسجلة ، وهدفه من ذلك هو ملاحظة نطق حرف( الراء) ، ودراسة هذا المتغير الصوتي عند جميع الفئات الاجتماعية.
وقد توصل الباحث إلى أن الطبقة الاجتماعية الفاخرة هي التي تحافظ على نطق الراء، وتعنى بكتابته، وتتثبت من تصحيحه ذاتيا. في حين، يوظف الآخرون هذا الحرف في سياقات تقريبا غير موجودة.
وفي هذا الصدد، يقول الباحثان المغربيان ابن رشد المعتمد وخريص محمد إن :”وليام لابوف لساني أمريكي برز اسمه في اللسانيات الاجتماعية  على الخصوص.اهتم بدراسة حالات وجود حرف [r] أو غيابه لما يكون مسبوقا بحرف صائت ومتبوعا بحرف ساكن، مثل ما في (farm) ، في كلام سكان مدينة نيويورك. فتوصل إلى مجموعة من الاستنتاجات التي تفيد بوجود علاقة بين تنوع النطق أو اللهجة من جهة، والوضع الاجتماعي للأفراد من جهة أخرى. ومنها أن الأشخاص الذين لاينطقون عادة حرف[r] في السياق المذكور يكثر احتمال نطقهم له في المناسبات الرسمية رغبة في إخفاء الفرق الاجتماعي الذي ينتمون إليه (وغالبا ما يكونون من الشريحة الأدنى في الطبقة الوسطى) أو تعبيرا عن طموحهم إلى الارتباط بمركز اجتماعي أفضل.”[27]
وهكذا، فقد درس وليام لابوف التفاوت الطبقي والاجتماعي في المجتمع الامريكي في ضوء التفاوت اللساني واللغوي.
الفرع السابع: بازل برنشتاين  واللامساواة اللغوية في المدرسة

 انتشرت اللسانيات الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمركية بشكل لافت للانتباه ؛ بسبب تواجد الكثير من الجاليات الأجنبية. ومن ثم، فقد ارتبطت بمجال التربية والتعليم ارتباطا وثيقا، كما عند بازيل برنشتاين (Basil Bernstein) الذي تحدث عن شفرتين لغوييتن اجتماعيين متقابلتين: لغة ضيقة ومفككة وضعيفة عند أبناء الفقراء، ولغة غنية وموسعة عند أبناء الأغنياء.وفي هذا الصدد، يقول عبد الكريم بوفرة:” انتبه برنشتاين إلى العلاقة المباشرة بين الإنتاجات اللغوية الواقعية وبين الوضعية الاجتماعية للمتكلمين أو الناطقين اللغويين. وانطلق من هذه الملاحظة لكي يصل إلى استنتاج عام، مفاده أن أبناء الشرائح الاجتماعية المتواضعة يعرفون نسب فشل دراسي أكبر من أولئك المنتمين إلى طبقات اجتماعية مستقرة ماديا. ويتميز هذا التفاوت بالفرق بين نظامين لغويين اثنين: واحد ضيق، والآخر متسع…
ولمعرفة حجم الفرق بين النظامين أعلاه تم إخضاع تلاميذ المستويين الاجتماعيين المختلفين لتجربة مثيرة للاهتمام. فقد طلب منهم التعليق كتابة على مجموعة من  الرسوم المتحركة الصامتة. فماذا كانت النتيجة؟
كان جواب الفئة الأولى (تلاميذ الطبقة الاجتماعية المتواضعة) على الشكل التالي:
” هم يلعبون بالكرة، قذف، تكسر الزجاج…”
بينما كان تعليق الفئة الثانية (تلاميذ الطبقة الغنية) بهذا الأسلوب:
” كان الأطفال يلعبون بالكرة، قذف واحد منهم الكرة، ومرت عبر النافذة، وكسرت الزجاج…”
ويكمن الفرق بين النظامين في شكل التعبير من الناحية اللغوية، أي من حيث قواعد النحو والتركيب أولا. ففي الحالة الأولى، نجد جملا قصيرة ، تفتقر إلى ضمائر الربط مع معجم محدود جدا.لذا، يجد أولئك التلاميذ صعوبة كبرى في التعبير. فهم عاجزون عن التعلم، وعن رؤية العالم.
وهذا يعني أن التعلم والتنشئة الاجتماعية تنشأ في الأسرة، وليس في المدرسة.”[28]
وعليه، فأطروحة بازل برنشتاين 
[29] ذات طابع لغوي ولساني. بمعنى أن المدرسة فضاء للصراع اللغوي واللساني. فلغة أبناء الطبقة الوسطى والعليا تتسم بالخصوبة، والاسترسال، والمرونة،  والترابط المنطقي والحجاجي . وتميل أيضا إلى التجريد، والترميز، والصورنة المنطقية. علاوة على استعمالها للجمل الطويلة التي تعج بالنعوت والأوصاف والمصادر المؤولة وأدوات الوصل والفصل.في حين، تتسم لغة أبناء الطبقة الدنيا باستعمال شفرة لغوية ضيقة ومحدودة  ومشخصة حسيا.كما أنها لغة مفككة ومهلهلة، غير خاضعة لعمليات التحليل والتأليف المنطقي استقراء واستنتاجا.
بيد أن هذه النظرية لايمكن تعميمها بشكل علمي ومنطقي.فثمة أبناء من الطبقة الفقيرة يستعملون اللغة بشكل حيوي، ويحققون درجات من النجاح والتقدم في مستواهم الدراسي، على الرغم من فقر بيئتهم الاجتماعية. كما أن المدرسة ليست دائما مكانا للصراع الطبقي والاجتماعي والسياسي واللغوي والإيديولوجي، بل يمكن أن تكون المدرسة فضاء للتعايش والتواصل والاستقرار.
الفرع الثامن:  ويليام بريت والهوية الاجتماعية للمتلقي
ساهم عالم اللغة الاجتماعي الأمريكي ويليام بريت(William Bright)[30] في تطوير اللسانيات الوصفية من جهة، و اللسانيات الاجتماعية من جهة أخرى، بالتركيز على لغات جنوب آسيا ولغات الهنود الحمر الأمريكيين. وقد جمع الباحث بين اللسانيات والأنتروبولوجيا . وقد درس السلطة في اللغات والثقافات الأم في كاليفورنيا، وربط الهوية الاجتماعية للمتكلم بالهوية الاجتماعية للمتلقي، ضمن سياق لغوي تواصلي معين. ومن ثم، فقد استعمل ثلاثة مفاهيم : (الملقي، والمتلقي، والسياق).
الفرع التاسع: جان لويس كالفي واللسانيات الاجتماعية الحضرية
يعد جان لوي كالفي(Louis-Jean Calvet) من أهم اللسانيين الفرنسيين الذين اهتموا بالعلاقة الموجودة بين اللغة والمجتمع. وقد أعد أطروحة جامعية حول (اللغة، والجسد، والمجتمع). وقد طرح مفهوم الغلبة أو الهيمنة أو السيطرة (glottophagie) في كتابه (اللسانيات والاستعمار)[31]. ويتناول الكتاب العلاقة الموجودة بين الخطاب الاستعماري والخطاب اللساني حول اللغات.وبتعبير آخر، يرى كالفي أن الخطاب الإمبريالي يجعل لغة المستعمر أفضل من لغة المسيطر عليه، على أساس أن لغة الاستعمار تحمل ثقافة راقية.في حين، تعد لغة المسيطر عليه لغة لاقيمة لها، ولا أهمية لها على مستوى التواصل والتعبير والإبداع والابتكار. ويعني هذا أن الكولونيالية لها تأثير في اللغة، وخاصة فيما يتعلق بالتغيرات التي لها علاقة بالسلطة.وقد تأثر الباحث كذلك بمشيل فوكو(M. Foucault) فيما يخص بديناميكية السلطة التي يملكها المتكلمون في أثناء التفاعل والتواصل، وآثار ذلك في المستمعين.
كما ناقش الدارس علاقة اللغة بالسلطة في كتابه (حرب اللغات1987م)، ودور اللسانيات في المدينة (أصوات المدينة)[32].ومن جهة أخرى، أرسى دعائم اللسانيات الاجتماعية الفرنسية على أسس علمية متينة[33].  وانصب اهتمامه أيضا على الأقليات الإثنية في منظور اللسانيات الاجتماعية.
هذا، وقد اهتم علماء  آخرون بدراسة المدينة باعتبارها فضاء للتطاحن اللغوي، اعتمادا على منهج وصفي قائم على  الملاحظة، والتتبع، والاستقراء،  والمسح، والمعايشة. ويسمى هذا عند الباحث الفرنسي جان لويس كالفي (Louis- jean Calvet) باللسانيات الاجتماعية الحضرية أو باللسانيات الاجماعية المتعلقة بالمدينة (Sociolinguistique urbaine ou linguistique de la ville)
ويعني هذا أن اللسانيات الاجتماعية الحضرية تدرس اللغة الحضرية، بالتركيز على الأسئلة التالية: (من يتكلم؟ ماذا؟ مع من؟ متى؟ أين؟ لماذا؟ ولماذا؟)
وهكذا، يبدو لنا أن هذه اللسانيات الاجتماعية، ولاسيما الحضرية منها، جاءت رد فعل على النحو الكلي عند نوام شومسكي الذي يؤمن بلغة واحدة، وإنجاز لغوي واحد. في حين، تؤمن اللسانيات الاجتماعية بالتنوع اللغوي، وتعدد الألسنة واللغات ، والتركيز على بعدها الاجتماعي التواصلي والتفاعلي.
المطلب الثاني عشر: منهجية اللسانيات الاجتماعية

تنطلق اللسانيات الاجتماعية من فرضية أساسية هي أن ثمة تنوعا لسانيا وتغيرات وتبدلات لغوية في مستوى لغوي معين أو في مستويات متعددة راجعة إلى التبدلات الاجتماعية.بمعنى ضرورة ربط المتكلم بالسياق التلفظي التواصلي الخارجي أو التداولي.ومن ثم، يصف الباحث البنيات اللسانية للغة أو لهجة ما، بتحديد تغيراتها وتبدلاتها المتنوعة على الصعيد الصوتي، والصرفي، والتركيبي، والدلالي، والتداولي، وتعليل ذلك بمسبباتها الاجتماعية أو الجغرافية أو السياسية أو الاقتصادية أو التاريخية أو الثقافية أو الدينية أو الحضارية، انطلاقا من مقاربتين: سانكرونية داخلية محايثة، ومقاربة تاريخية ودياكرونية تطورية لرصد مختلف التطورات التي شهدها التبدل اللساني عبر مختلف المراحل الزمانية والمكانية والجغرافية.
ومن ثم، يدمج الباحث  اللساني المتكلم أو المتلفظ داخل سياق تواصلي مجتمعي. بمعنى أن المتلفظ هو نتاج مجتمع معين، والدليل على ذلك الهوية التي ينتمي إليها، والجنس الذي يحدد طبيعته، والمهنة التي يزاولها، والطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، وطبيعة سنه أو عمره ( طفل أو شاب أو عجوز). وبالتالي، لايمكن أن تكون الدراسة ناجعة إلا باختيار عينة أو مدونة لسانية للاشغال عليها (Corpus). ولابد من استحضار المخاطب عبر الخطاب التلفظي الموجه إلى المستمع / المتلقي.
وعند دراسة المدونة أو العينة اللغوية ، لابد من تحديد أطراف التلفظ أو التواصل، وتبيان مكان التلفظ وزمانه، والمؤشرات اللغوية الدالة على ذلك، ورصد مختلف التبدلات اللسانية وتنوعها مقارنة باللغة المعيارية، ووصف هذه التبدلات في ضوء القواعد اللسانية الرسمية، والبحث عن أسباب هذا التبدل والتنوع اللغوي أو اللهجي.
ولايقتصر هدف اللسانيات الاجتماعية على تحديد التبدلات اللغوية فحسب، بل تهتم كذلك بمضامين الملفوظات ذات الحمولة الاجتماعية، والتركيز على المعنى أو المعجم الموظف، كتحديد طبيعة المعجم، وحقوله الدلالية، وطبيعة الخطاب الذي ينتمي إليه هذا المعجم.
وترتكز اللسانيات الاجتماعية كثيرا على السياق التواصلي الاجتماعي الذي يتحكم في التلفظ وأطراف التواصل التلفظي.أي: تحديد مختلف شروط التلفظ الزمانية والمكانية التي تتحكم في التواصل بين المتكلم والسامع، بدراسة نوع الخطاب، وأنماط التلفظ (السرد، والحوار، والمنولوج، والمناجاة).
ويمكن تطبيق هذه المنهجية على لغة التلاميذ، ولغة الأطفال، ولغات الشباب، ولغات المهاجرين، ولغات وسائل الإعلام، ولغات المهنيين والحرفيين، وتحليل الخطاب: خطاب السياسيين، وخطاب العمال والحرفيين، وخطاب الرجال، وخطاب النساء؛ والاهتمام بلغات الأقليات أو الإثنيات؛ والتقويم الاجتماعي للهجات المحلية في المقررات المدرسية.
ومن هنا، تنبني اللسانيات الاجتماعية على مجموعة من الخطوات المنهجية التي يمكن حصرها في الإجراءات المنهجية التالية:
uملاحظة البيئة اللغوية المتنوعة، بالنزول إلى الواقع الميداني، مرفقا بالأدوات المساعدة؛
v جمع المدونة اللغوية واختيار الأمثلة والشواهد المناسبة؛
w تحديد فرضية الدراسة وإشكالياتها المتنوعة؛
x تبيان أهداف البحث وغاياته وأهميته العلمية؛
yوصف الظاهرة اللغوية المتنوعة في علاقتها بالتنوع الاجتماعي؛
z تحديد التبدلات والتغيرات الصوتية وتصنيفها ودراستها داخليا وخارجيا؛
{ فهم هذه التبدلات والتغيرات وتفسيرها بالعوامل الداخلية والخارجية ؛
|المقارنة بين مختلف هذه الظواهر الصوتية والاجتماعية سانكرونيا ودياكرونيا؛
} استخراج القواعد والقوانين والعلاقات التي تتحكم في العينة المرصودة للدراسة والوصف والتقويم؛
~ وضع النظريات وتعميمها.
الخاتمة:
وخلاصة القول، تهتم اللسانيات الاجتماعية بدراسة احتكاك اللغات، ورصد الدخيل والتداخل والخلط اللغوي، ودراسة البوليفونية اللغوية واللهجية، ومقاربة الأسلبة والتنضيد والتهجين اللغوي، ومناقشة الثنائية والتعددية اللغوية، ومعرفة علاقة اللغات باللهجات. فضلا عن الاهتمام بتصحيح اللغة، وجودة اللغة، وتقعيد اللغة، والأمان اللغوي، والتلوث اللغوي، والسياسة اللغوية، والتخطيط اللغوي…أي: دراسة اللغات في علاقتها بالأفراد، والمجتمعات، والمؤسسات.
هذا، وقد تجاوزت اللسانيات الاجتماعية مثالية اللسانيات السوسيرية والشومسكاوية القائمة على الاستنباط والطابع الافتراضي الصوري المجرد، بالانتقال إلى الطابع التجريبي الاستقرائي الميداني والمختبري.أي: ثمة انتقال من اللسانيات البنيوية الشكلية إلى اللسانيات الاجتماعية، أو انتقال من بنية اللغة إلى بنية المجتمع، أو انتقال من الداخل اللساني إلى الخارج اللساني.
[1] – ابن جني: الخصائص، الجزء الأول، تحقيق محمد علي النجار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الرابعة سنة 1999م، ص:34.
[2] – علي عبد الواحد وافي: اللغة والمجتمع، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1971م، ص:4-5.
[3] – علي عبد الواحد وافي: اللغة والمجتمع،ص:6.
[4] -Jean Dubois et autres: Dictionnaire de Linguistique, Larousse, Paris,1991,p444.
[5] – Lyons: Language and linguistics: An Introduction. Cambridge: Cambridge University Press 1981, p: 267.
[6] – عبد الكريم بوفرة: علم اللغة الاجتماعي، مقدمة نظرية، مطبوع جامعي، جامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وجدة، المغرب، الموسم الجامعي2011-2012م، ص:11.
[7] – William Labov: The Social Stratification of English in New York City Department Stores, Washington, D.C., Center for Applied Linguistics,‎ 1966, 485 p.
[8] – Bernstein Basil, 1971, Class, Codes and Control, Londres, Routedge & Kegan Paul (trad. fr : Langage et classes sociales. Codes sociolinguistiques et contrôle social, Paris, Éditions de Minuit, 1975)
[9] – Philippe Blanchet : Le provençal, essai de description sociolinguistique et différentielle, Institut de Linguistique de Louvain, Louvain, Peeters, 1992.
[10] – Hudson, R.A: Sociolinguistics, Cambridge [England]; New York, NY, USA: Cambridge University Press.1996.
[11] – Trudgill, Peter : Sociolinguistics: an introduction to language and society, London, England: New York, N.Y., USA: Penguin.1995.
[12] – علي عبد الواحد وافي: نفسه، ص:84.
[13] –  علي عبد الواحد وافي: نفسه، ص:115.
[14] – علي عبد الواحد وافي: نفسه ص:130-131.
[15] – عبد الكريم بوفرة: علم اللغة الاجتماعي، مقدمة نظرية، ص:14.
[16] – Charles A. FergusonDiglossia. Word 15, 1959, p. 325-340.
[17]- Charles A. Ferguson, The Ethiopian Language Area, in Language In EthiopiaLionel Bender (en) (ed.), J. Donald Bowen, R.L. Cooper, Charles A. Ferguson, Oxford University Press, Oxford, 1976, p. 63–76.
[18] – عبد الكريم بوفرة: نفسه، ص:17
[19]- Jean-Baptiste Marcellesi   et Bernard Gardin : Introduction à la sociolinguistique – La linguistique sociale, Larousse, Paris, 1974.

[21]Jean-Baptiste Marcellesi et autres : SOCIOLINGUISTIQUEEpistémologie, Langues régionales, Polynomie.En collaboration avecThierry Bulot et Philippe BlanchetEspaces discursifsLINGUISTIQUE.2003.

[22]- A regarder : Qu’est-ce que la sociolinguistique ? Moderne, Wake Forest University,

http://cloud.lib.wfu.edu/wiki/modernfrench/index.php/Qu%27est-ce_que_la_sociolinguistique%3F

[23] – Antoine Millet: Introduction à l’étude comparative des langues indo-européennes1903 (1re éd.), Hachette, Paris, 1912 (3e éd.)
[24] – عبد الكريم بوفرة: نفسه، ص:13.
[25] – عبد الكريم بوفرة: نفسه، ص:16.
[26] – William Labov: The Social Stratification of English in New York City Department StoresWashington, D.C., Center for Applied Linguistics,‎ 1966, 485 p.
[27] – ابن رشد المعتمد وخريص محمد: مدارس علم اللغات، المكتبة الثقافية الدارالبيضاء، ومكتبة المعرفة وجدة ،المغرب، الطبعة الأولى سنة 1993م، ص:61-62.
[28] -عبد الكريم بوفرة: نفسه، ص:24-25.
[29] -Bernestein.B : Langage et classes sociales. Ed. De minuit, Paris, 1975.
[30]-William Bright:  Language variation in South Asia (Oxford University Press, 1990.
[31]- Louis-Jean CalvetLinguistique et colonialisme, petit traité de glottophagie.Payot,.1974
[32]-Louis-Jean Calvet: Les Voix de la ville, Introduction à la sociolinguistique urbaine, Essais Payot.1994
[33] Louis-Jean Calvet: La Sociolinguistique, PUF (coll. Que sais-je ?, n° 2731) ,1993.