علوم التصحيح في اللغة دكتور احمد كروم

22.2.15

"السيميولوجيا"

في بداية القرن الماضي بشر عالم اللسانيات السويسري فردناند دو سوسير بميلاد علم جديد أطلق عليه اسم "السيميولوجيا"، ستكون مهمته، كما جاء في دروسه التي نشرت بعد وفاته ( 1916)، هي "دراسة حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية". ولقد كانت الغاية المعلنة والضمنية للسيميولوجيا هي تزويدنا بمعرفة جديدة ستساعدنا، لا محالة، على فهم أفضل لمناطق هامة من الإنساني والاجتماعي ظلت مهملة لوجودها خارج دائرة التصنيفات المعرفية التقليدية. وفي نفس الفترة التاريخية تقريبا، كان الفيلسوف الأمريكي شارل سندرس بورس، في الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، يدعو الناس إلى تبني رؤية جديدة في التعاطي مع الشأن الإنساني وفي صياغة تخومه وتحديد حجمه وقياس امتداداته فيما يحيط به. وقد أطلق على هذه الرؤية اسم السميوطيقا ( التي نتبنى هنا الاسم المعرب لها وهو السميائيات .(
وعلى الرغم من اختلاف التسميتين واختلاف المنطلقات الإبستمولوجية، فإن السميائيات ستشيع، عند المؤسسين معا، حالة وعي معرفي جديد لا حد لامتداداته. فقد تبنت نتائجها النظرية والتطبيقية علوم كثيرة كالأنتروبولوجيا والسوسيولوجيا والتحليل النفسي والتاريخ، والخطاب الحقوقي وكل ما له صلة بالآداب والفنون البصرية وغيرها. بل لقد شكلت السميائيات، منذ الخمسينات من القرن الماضي، في المجال الأدبي، تيارا فكريا أثرى الممارسة النقدية المعاصرة وأمدها بأشكال جديدة لتصنيف الوقائع الأدبية وفهمها وتأويلها.
لقد فتحت السميائيات أمام الباحثين، في مجالات متعددة، آفاقا جديدة لتناول المنتوج الإنساني من زوايا نظر جديدة. بل يمكن القول، كما أشرنا إلى ذلك في الفقرة السابقة، إن السميائيات ساهمت بقدر كبير في تجديد الوعي النقدي من خلال إعادة النظر في طريقة التعاطي مع قضايا المعنى. ولقد قدمت في هذا المجال مقترحات هامة عملت على نقل القراءة النقدية من وضع الانطباع والانفعال العرضي الزائل والكلام الإنشائي الذي يقف عند الوصف المباشر للوقائع النصية، إلى التحليل المؤسس معرفيا وجماليا. فالنصوص، كل النصوص كيفما كانت مواد تعبيرها، يجب النظر إليها باعتبارها إجراءَ دلاليا لا تجميعا لعلامات متنافرة. والسميائيات صريحة في هذا المجال، فهي تسلم بوحدة الظاهرة الدلالية؛ كيفما كانت لغتها وكيفما كان شكل تجليها.
إن حالة النضج التي وصلت إليها السيمائيات استدعت التفكير في كتابة تاريخ يرسم الخط التصاعدي لهذا العلم الجديد. ولقد حاول بعض الباحثين ( وكذا بعض المجلات المتخصصة في فرنسا مثلا (1) ) استعادة لحظات التأسيس والنمو والتعدد والانفجار من خلال تحديد أهم المحطات التي عرفتها السميائيات. وكان هناك ما يدعو إلى ذلك، فلقد تشعبت الدراسات السميائية وتنوعت وظهرت داخلها تيارات ذهبت بالتحليل في جميع الاتجاهات، ووسعت من دائرته ليشمل كل المناطق التي تغطي الوجود الإنساني بدءا باللسان وانتهاء بكل مظاهر السلوك الإنساني : اللغة واللباس والعلاقات الاجتماعية والطقوس الأسطورية والدينية. فكان لا بد من التمييز والفصل بين ما ينتمي حقا إلى السميائيات وبين وما يستعير منها بعض أدواتها فقط، وبين ما لا علاقة له بها على الإطلاق.
وعلى الرغم من ذلك، فإن كتابة تاريخ علم ما ليس بالأمر الهين، خاصة إذا كان هذا العلم ينتمي إلى ميدان الإنسانيات المعروفة بتنوع جهات نظرها، بل بتناقضاتها الدائمة والمستمرة. ولهذا فإن، كتابة تاريخ للسميائيات، أو حتى محاولة تحديد بعض محطاتها الكبرى أمر بالغ الصعوبة، ويثير حوله الكثير من الجدل، بل قد يؤدي إلى الكثير من سوء الفهم. فالسميائيات ليست تيارا واحدا منسجما، وليست فكرة معزولة، كما أنها ليست نظرية جاهزة محددة من خلال مفاهيم موحَدة وموحِدة. إنها على العكس من ذلك حالة وعي معرفي عُرف بامتداداته في حقول معرفية متعددة. فالسميائيات في نهاية المطاف، وبكثير من التبسيط، ليست سوى تساؤلات تخص الطريقة التي ينتج بها الإنسان سلوكاته أي معانيه، وهي أيضا الطريقة التي يستهلك بها هذه المعاني. وربما كان هذا التنوع من الأسباب التي فجرت هذا الحقل في تيارات متعددة ومتميزة عن بعضها البعض بل ومتناقضة فيما بينها في أحيان كثيرة.فبالإمكان الحديث عن سميائيات للمسرح وسميائيات للصورة الفوتوغرافية وأخرى للإشهار، كما يمكن أن نتحدث عن سميائيات " لليومي" وأخرى للخطاب السياسي وثالثة للسرد ورابعة للشعر الخ. والأكيد أن هذه التصنيفات المتنوعة لا تعود إلى طبيعة المعاني التي تنتجها الأشكال التعبيرية المختلفة، فالمعاني لا تتحدد بجواهرها، بل تعود إلى الإكراهات التي يفرضها نمط بناء كل شكل تعبيري على حده. فالسميائيات في جميع هذه الحالات هي بحث في المعنى لا من حيث أصوله وجوهره، بل من حيث انبثاقه عن عمليات التنصيص المتعددة، أي بحث في أصول السميوز ( السيرورة التي تُنتج وفقها الدلالات ) وأنماط وجودها باعتبارها الوعاء الذي تصب فيه السلوكات الإنسانية.
انطلاقا من هذه المسلمة يمكن تصور تاريخ للسميائيات يتقفى أثر هذه السيرورة كما يتم تحقيقها في مجالات متعددة. فما يوحد هو أيضا ما يفصل ويعزل ويميز. فإذا كانت المنطلقات المعرفية المشتركة الأولى هي ما يسمح لنا بالحديث عن هوية واحدة للسميائيات، فإن كثرة النماذج التي ارتبطت بميلادها أو بمرحلة من مراحل نموها قد يجعل من هذه الهوية كيانا مطاطيا وقابلا للتكيف مع طبيعة النموذج المرتبط بها، ويمكن في هذا المجال استحضار الطريقة التي استخدم بها كلود ليفي شتراوس المفاهيم اللسانية التي جاء بها سوسير من أجل دراسة علاقات القرابة، أو محاولة الباحثة السميائية البلجيكية نيكول إفرات دسمنت قراءة مقولات الرمزي والواقعي والمخيالي استناد إلي المقولات الفينومينولوجية التي اعتمدها بورس كأساس فلسفي لصياغة تصوره للعلامة.
ومع ذلك، وعلى الرغم من أن السميائيات ارتبطت بنماذج عدة : اللسانيات والفلسفة والمنطق والأنتروبولوجيا والفينومينولوجيا، فإنها حافظت على كيان مستقل بخصائص تميزها عن هذه النماذج وتفصلها عنها. فلقد استطاع هذاالنشاط المعرفي أن يخلق لنفسه موضوعا للدرس وأن يحدد أساليب في التصور والتحليل.
استنادا إلى ذلك، فإن أي تاريخ محتمل لهذا النشاط المعرفي الجديد يفترض بشكل قبلي، وربما كشرط أساس، تحديد المنابع الأولى التي شكلت منطلق السميائيات وقاعدتها المعرفية. فالتعرف على هذه الأصول وتحديدها هو المدخل الرئيس لفهم كل الامتدادات اللاحقة. فالأصول المشتركة قد لا تقود حتما إلى تطورات من نفس النوع والحجم والعمق والطبيعة إلا أنها تساعدنا على فهم طبيعة كل التطورات اللاحقة. وعلى سبيل المثال، فقد أنكر الداعون إلى "سميائيات للتواصل" وجود شيء اسمه "سميائيات الدلالة" ( برييتو، أريك بيوسنس، جورج مونان ...)، ولم يستصغ أصحاب "سميائيات الدلالة" ( بارث، گريماص، إيكو) إمكانية استقلال الواقعة الإبلاغية عن السيرورة الدلالية ومنطقها. ولقد احتج التياران معا بتعاليم سوسير ذاتها، ووجد فيها التياران معا ما يدعم وجهة نظرهما. استنادا إلى هذا التمييز يمكن تناول تاريخ السميائيات من زوايتين : تتعلق الأولى بتقديم عرض واف عن التصورات الأولى المؤسسة للسميائيات، وتتعلق الثانية بتحديد موضوعاتها المتنوعة. فاستحضار النماذج المؤسسة سيمكننا من تجنب الإغراق في التفاصيل الدقيقة الخاصة بكل تيار على حدة، وسيمكننا الحديث عن الامتدادات من حصر الموضوع في التصور الذي تقدمه السميائيات عن السميوز ( السيرورة الدلالية ) باعتبارها الحجر الأساس في أي فعل سميائي. استنادا إلى مرحلتي التأسيس هاتين يمكن صياغة تواريخ لسميائيات متعددة. فبالإمكان الحديث عن تاريخ للسميائيات السردية، كما يمكن أن نكتب تاريخا لسميائيات الصورة وأخرى للمسرح وهكذا دواليك. فلقد تطورت، استنادا إلى مقترحات سوسير وبورس في مجال دراسة العلامة، توجهات سميائية متعددة. لذا فإننا، في انتقالنا من واقعة إلى أخرى، نجد أنفسنا أمام سلسلة من المفاهيم التي لا تخص في واقع الأمر سوى هذا المتن دون سواه.
ونحن في هذا الكتاب التزمنا موقف الحياد الإيجابي، فعرضنا لجهة نظر المؤسسين : بورس وسوسير وموقعهما من التطورات التي عرفتها السميائيات في الثلث الأخير من القرن العشرين، لكننا حددنا جهة نظرنا ونحن نقدم النماذج التطبيقية معلنين انحيازنا المطلق إلى سميائيات تأويلية ترى في النص خزانا من الاحتمالات الدلالية، لا تجميعا كميا لعلامات. فالسميائيات هي كشف واستكشاف لعلاقات دلالية غير مرئية من خلال التجلي المباشر للواقعة. إنها تدريب للعين على التقاط الضمني والمتواري والمتمنع، لا مجرد الاكتفاء بتسمية المناطق أو التعبير عن مكونات المتن.
ولقد قسمنا كتابنا هذا إلى أربعة فصول. تناولنا في الفصل الأول، وبشكل مفارق، السميائيات من حيث الموضوع والأصول الفلسفية العامة والامتداد في التاريخ القديم والحديث. لنعود من جديد في الفصل الثاني إلى عرض التصور السوسيري للسميولوجيا، فكشفنا عن تصوره للسان وتحديده للعلامة اللسانية ومكوناتها وطبيعتها، فهذه المعرفة اللسانية هي التي ستستند إليها السيمولوجيا من أجل مقاربة موضوعها.
أما في الفصل الثالث فعرضنا لتصور بورس للسميائيات، والسميائيات عنده لا تنفصل عن الفينومينولوجيا وعن المنطق، ودون فهم هذه الإواليات التأسيسة لا يمكن فهم الاشتغال السميائي للوقائع الإنسانية التي تشكل في رمتها نسيجا لامتناهيا من العلامات.
أما في الفصل الثالث فعرضنا لسميولوجيا الصورة، وحاولنا من جهة، البحث عن الأسس اللسانية وموقعها في قراءة الصورة، ثم عرضنا بعد ذلك لإشكاليات إدراك الصورة، لننهي هذا الفصل بفقرات حول الطريقة التي تنتج به الصورة دلالاتها.
أما في الفصل الرابع فقدمنا دراسة لنمط آخر في وجود السميوز، ويتعلق الأمر بدراسة الجسد واللغة الإيمائية. فهذه اللغة المنبعثة من جسد كلي الوجود لا يمكن أن تكشف عن طاقاتها التدليلية إلا من خلال استحضار نص الثقافة من جهة، والدفع بالأعضاء للاستقلال عن بعضها البعض لكي تتحول إلى بؤرة دلالية لا حد لامتداداتها.
ونتمنى أن يجد القراء في هذا الكتاب ما يساعدهم على الاقتراب من ميدان معرفي له اقتراحاته في قراءة الوقائع الإنسانية ومحاورتها ومحاولة فهم الإنسان من خلال هذه الوقائع

15.2.15

قراءة لسانية للنحو العربي

لن يختلف اثنان من القراء والدارسين في أن ما قام به الدارس التونسي عزالدين مجدوب، في أطروحته اولاً ثم في كتابه "المنوال النحوي العربي: قراءة لسانية جديدة" الصادر اخيراً عن كلية الآداب بسوسة التونسية وعن دار محمد علي الحامي، جديد في مقاربته ويتسم بجدة النظر إلى موضوع طالما شغل الدارسين المعنيين بالنحو العربي. فالدارسون "التراثيون" لا يتوانون عن إصدار الكتب والدراسات التي تجد أن ما حصل في شؤون النحو قديماً لا يمكن النظر فيه، بل النهل منه فحسب، على أن علمهم هذا اللاحق تدبيري الطابع، ذرائـعي، يأتي بالجديد لتأكيد أحقية القديم، ليس إلا. أما الدارسون "المحدثون" فتراهم يصدرون الكتاب تلو الكتاب للتعامل مع النحو كما لو أنه متن من دون أساس يفسره، فيسقطون عليه من معين الدراسات الأوروبية منظوراً يعيقه بدل أن يعقله.
كتاب الباحث التونسي يتخذ وجهة أخرى مغايرة، وهي أنه يعود بالنحو العربي إلى أساسه الموجود، وإن غير المعروض كفاية، ولكن بعد أن يعرضه على نظريات اللسانية الحديثة من جهة، وعليها في دراسات المحدثين العرب من جهة ثانية. وهو في عرضه هذا لا يعالج النحو من زاوية لسانية فحسب، وإنما من زاوية تاريخية-اجتماعية كذلك قلما ينتبه إليها الدارسون. ويقوم الدارس لهذا الغرض بعرض مركب يقوده إلى الوقوف على دراسات المحدثين في النحو، ثم يسعى - في مقاربة لها سمة معرفية و"تأصيلية" في آن - إلى دراسة النحو العربي في وحداته المكونة له، وعلى ضوء النظريات الحديثة، ولا سيما عند العالم اللساني لويس هيلمسيلف.
تقوم دراسة الدكتور مجدوب على مفهوم أساسي هو "التجريبية"، ويريد منه الإشارة إلى "قلة التنظير للممارسة النحوية العملية وعدم وعي الباحث بالمسلمات التي ينطلق منها وعدم تفكيره فيما يقتضيه التسليم بها من مستلزمات ونتائج فرعية". وهو تعريف ينتهي إليه بعد مراجعة عهدي التطور اللذين عرفتهما دراسات النحو العربي عند المحدثين. وهي دراسات تعود الى الثلث الثاني من القرن الجاري، وتتوزع في منحيين: منحى في مقاربة التراث النحوي لا ينتسب صراحة إلى علم اللسانيات، ومنحى آخر ينتسب إليه صراحة، ولكن من دون إغفال جانبه التجريبي. ويمثل المنحى الأول أقدم المحاولات المحدثة، ويتعرض له الدارس التونسي في أعمال الدارسين العربيين: ابراهيم مصطفى ومهدي المخزومي.
كتاب مصطفى "إحياء النحو" 1937 يمثل أولى المحاولات هذه، بل هو "أول مقاربة نقدية شاملة للتراث النحوي" ما لبث أن اتبعها الكثيرون وتقيدوا بأهدافها وأقوالها. وهي لا تعد بحق - على قيمتها - إعادة نظر علمية في النحو، طالما أن مشاغل التدريس وهواجسه التطبيقية هي التي شغلت بال النحوي وقبل أي شيء آخر. ويفسر صاحب الكتاب هذا المنحى "في حاجة اجتماعية ولدتها النهضة"، وهي قضية التعليم ونشره وما استلزمته من مقتضيات أهمها ملاءمة التراث النحوي لمقتضيات التدريس على نحو يخالف السنن المتبعة في معاهد التعليم التقليدية، مثل الجامع الأزهر أو جامع الزيتونة وغيرهما.
وهذا ما نتبع اثاره في أعمال العديد من "النهضويين"، من أمثال رفاعة الطهطاوي في "التحفة المكتبية في تقريب العربية"، أو "الوسيلة الأدبية لعلوم العربية" لحسين المرصفي، أو "قواعد اللغة العربية" لحفني ناصف، أو "فصل الخطاب في فصول لغة الإعراب" لناصيف اليازجي، أو العديد من كتب أحمد فارس الشدياق. وهي، وغيرها، كتب سعت إلى تقريب العربية من نفوس متعلميها، ولا سيما بعد انتقال التعليم إلى صيغة "عصرية" وانقضاء عهد "العلماء" في صيغه الإسلامية التقليدية المتحلقة حول الجامع.
ويعني هذا أنه تحكمت بالكتب هذه، وبوضعها، مساع تفسيرية وتوجيهية عزز منها العمل على "تيسير" قبول العربية وتعلمها، وأمام ضغوطات اللغات الأجنبية وإغراءاتها الشديدة.
أما الباحث العراقي مهدي المخزومي فقد طور طريقة أستاذه إبراهيم مصطفى وحسن منها، إلا أنه خلط بدوره بين العلم ومناحيه التطبيقية من جهة، كما واصل الجمع بين تيسير النحو وإعادة النظر في منهجه من جهة ثانية. واستتبع ذلك، وفق عبارة جميلة للدكتور المجدوب، "مماهاة مغلوطة" بين مقتضيات التدريس ومقتضيات البحث النظري. لكن الجديد عند المخزومي هو أن تأثير اللسانيات أوضح فيه من أستاذه، وإن لم يبلغ تأثير هذا العلم مبلغاً يجعله ينتسب إليه مثلما نلقى آثار ذلك في إنتاجات المنحى الثاني في دراسة النحو العربي.
ويوزع الدارس التونسي هذا المنحى على اتجاهين مستمرين حتى أيامنا هذه، فيطلق على الأول تسمية "الاتجاه التاريخي المقارن"، وعلى الثاني "الاتجاه الوصفي". ومثل الاتجاه الأول بأعمال الباحث المصري إبراهيم أنيس، ولا سيما في كتابه "من أسرار اللغة"، واجداً أنه "أدخل التراث النحوي في جدل" مع علم اللسانيات، عدا أنه رسخ الاعتقاد بأن اللغوي العربي لا يمكن أن يقتصر في دراسة العربية على ما قاله القدماء فحسب، بل ينبغي له أن يأخذ بعين الاعتبار ما يقوله غيرهم من غير العرب. أي أن أنيس، حسب الكاتب مجدوب، "رسخ الاعتقاد بأن العربية لا يمكن أن تدرس بالاقتصار عليها بل يجب تنزيلها وتنزيل ظواهرها ضمن الألسنة التي تشبهها وضمن الألسنة عموماً".
وفي هذا نقلة نوعية أكيدة، وإن لم تسلم من النواقض الناتجة عن عواقب تطبيق اللسانيات الأوروبية على العربية. وهي نقلة تعززها قراءة الدارس التونسي لإنتاج الباحث النحوي تمام حسان الذي يعد صاحب "أوفى قراءة للتراث النحوي العربي" في كتبه العديدة وإسهاماته اللافتة. ويتحقق الباحث التونسي من "حدود عمل" هذا الباحث المتميز، عارضاً لكيفيات تقبله للسانية، وهو تقبل يشي بتصور "وثوقي" للحقيقة العلمية. أي أن حسان يتقبل العلم اللساني الأوروبي كما ورد، من دون تاريخيته، أو تبين حدوده كذلك: "فتمام حسان كان مواصلة لمدرسة التيسير وتثبيتاً لغاياتها أكثر مما كان قطعاً معها وانتساباً للسانيات عند نقد التراث النحوي، وإن كان استعماله للسانيات في صياغة هذه الأهداف أو صياغة بعض مآخذ الميسرين، يوهم بخلاف ذلك".
ويخلص الدارس التونسي، من استعراضه التاريخي-النحوي للإسهامات العربية المحدثة، إلى الوقوف عند العطب الأساسي في هذه المساعي وهو كونها لم تميز كفاية بين النظرية العامة وبين "المنوالات" أي النماذج، عدا أن الدراسات هذه لم تسلم أبداً من مساع تيسيرية وتعليمية، لا تنظيرية في المقام الأول والأخير. وهو، بالتالي، التمهيد اللازم للدارس التونسي لكي ينصرف إلى قراءة تراثية ولسانية في آن للنحو العربي، تقيه من مصاعب سابقيه.
واستدعت منه هذه القراءة عودة واسعة إلى متون اللسانية الحديثة، ولا سيما عند هيلمسيليف في تمييزه بين الفرضيات والمنوالات، لدراسة النحو العربي. وعودة أخرى إلى مكونات النحو العربي في الجملة وأقسام الكلام والوظائف النحوية وغيرها، هادفاً من ذلك كله - على وعورته لغير النحويين - الوصول إلى القول الشهير التالي: "ينبغي قبل كل شيء أن نفهم أن النحو القديم لا يمثل نظرية علمية بنى عليها النحاة ممارسة، إنما العكس هو الصحيح. فالنحو القديم ممارسة لا غير، بل هو مجرد ممارسة حاول النحاة تبريرها بعد أن اكتملت نظرية بعضها على جانب كبير من البساطة".

14.8.14

نشأة اللغة الانسانية الأولى : أهم النظريات أو الفرضيات

نشأة اللغة الانسانية الأولى : أهم النظريات أو الفرضيات


 اختلف الباحثون قديما وحديثا في موضوع نشأة اللغة الانسانية الأولى ، ومدى نجاعة دراسة مثل هذا الموضوع بين معارضين للبحث فيه الى درجة التحريم ، باعتباره موضوعا غير ظني لا يمكن التحقق من صحة وقائعه ، و بين مؤيدين بل ومصرين على مثل هذه البحوث اللغوية التي تنبع من التراث المعرفي الذي يصب في صميم الدراسات اللغوية و ما يتعلق بها .

 ولكن عندما ظهر ما يسمى بالدراسات اللسانية الحديثة ( المدارس اللسانية ) كان هناك انفصال بين علمين توأمين أحدهما يسمى (فقه اللغة ) والثاني (علم اللغة ).

 كما مر معنا سابقا ، وصار من السهل اخراج مثل هذا الموضوع من الأبحاث والدراسات التي تدخل تحت عنوان (علم اللغة ) و ادراجه في الدراسات التي تسمى ( فقه اللغة ).

 لذلك أدرجنا هذا الموضوع ضمن مادة ( فقه اللغة) ، بغض النظر عما تتضمنه هذه المادة من موضوعات يمكن أن تدرج في ( علم اللغة ) متابعة للبحوث و الدراسات والأعمال العربية التي جاءت تحت عنوان (فقه اللغة ) و لكنها كانت أقرب الى فقه اللغة حسب المفاهيم والآراء الحديثة لهذا العلم .

 و قد تعددت الآراء والفرضيات التي تفسر نشأة اللغة الانسانية الأولى ، من اعتماد المعقول والمنقول .

 ومن أهم هذه النظريات ( الفرضيات ) ، النظريات الآتية :

 1ـ نظرية الالهام و الوحي والتوقيف :

 تذهب هذه النظرية الى أن الله الخالق أوحى الى الانسان الأول وأوقفه على أسماء الأشياء بعد أن علمه النطق . وقدذهب الى هذا الرأي في العصور القديمة الفيلسوف اليوناني هيراقليط ( ت : 480 ق . م ) ، و في العصور الحديثة طائفة من العلماء على رأسها لامي والفيلسوف دونالد . ومن علماء المسلمين في العصور الوسطى : أبو عثمان الجاحظ (ت 255 ه) و أبو الحسن الأشعري (ت 324 ه) ، و أحمد بن فارس (ت 395ه ) ، الذي يرى أن لغة العرب توقيفية .

 ويبدو من قول ابن فارس أن اللغة العربية هي لغة آدم عليه السلام ، لأنه ذكر أن أول من كتب الكتاب العربي والسرياني و الكتب كلها آدم ـ عليه السلام ـ قبل موته ب300سنة . وقد ذكر السيوطي عن ابن عساكر في التاريخ عن ابن عباس ، أن آدم (عليه السلام ) كانت لغته في الجنة العربية .

 قال عبد الملك بن حبيب : " كان اللسان الأول الذي نزل به آ دم من الجنة عربيا . إلا أن بعد العهد و طال صار سريانيا ، وكان يشاكل اللسان العربي الا أنه محرف .... وبقي اللسان في ولد أرفشذ بن سام الى أن وصل الى يشجب بن قحطان من ذريته وكان باليمن ، فنزل بنو اسماعيل ، فتعلم منهم بنو قحطان اللسان العربي .

 ويرى علماء العبرانية وتابعهم كثير من مشاهير علماء النصرانية وغيرهم : أن اللغة العبرانية هي اللغة التي فتق الله بها لسان آدم ـ عليه السلام ـ في ولده شيث حتى انتهت الى ابراهيم عن طريق عابر بن سام ويستدلون على ذلك بعدد من الأسماء الواردة في حديث الخلق وما بعده الى الطوفان مثل آدم وعدن و فيشون وجيجون وغيرها أسماء عبرانية .

 أدلة أصحاب التوقيف

 يعتمد علماء الغرب المؤيدون لهذه النظرية على ما ورد بهذا الصدد في العهد القديم من الانجيل" و الله خلق من طين جميع حيوانات الحقول ، و جميع طيور السماء ، ثم دعا آدم ليرى كيف يسميها . وليحمل كل منها الاسم الذي يضعه له الانسان . فوضع آدم أسماء لجميع الحيوانات المستأنسة ، ولطيور السماء و دواب الحقول "

 وهذا النص لايدل على شيء مما يقوله أصحاب هذه النظرية بل يكاد يكون دليلا على عكس النظرية .

 ويرى الدكتور توفيق شاهين أن أبا عثمان الجاحظ ارتضى هذه النظرية حيث قرر أن الله سبحانه و تعالى أنطق نبيه اسماعيل بالعربية دون سابق تمهيد أو تعليم وأنه ـتعالىـ فطره على الفصاحة على غير النشوء والتمرين .

 و يضيف القائلون بالتوقيف الى ذلك ثلاثة وجوه :

 1 ـ أنه سبحانه وتعالى ذم قوما في اطلاقهم أسماء غير توقيفية في قوله تعالى :" ان هي الا أسماء سميتموها أنتم ..." وذلك يقتضي كون البواقي توقيفية

 2 ـ قوله تعالى :" ومن آياته خلق السماوات والأرض و اختلاف ألسنتكم و ألوانكم " و الألسنة اللحمانية غير مرادة لعدم اختلافها . و لأن بدائع الصنع في غيرها أكثر . فالمراد هي اللغات

 3 ـ وهو عقلي : فلو كانت اللغات اصطلاحية لاحتيج في التخاطب بوضعها الى اصطلاح آخر من لغة أو كتابة ، يعود اليه الكلام ،و يلزم اما الدور أو التسلسل في الأوضاع و هو محال فلا بد من الانتهاء الى التوقيف .

 وبناء على كلام أهل التوقيف ، لا يجوز قلب اللغة مطلقا : فلا يجوز تسمية الثوب فرسا مثلا

 وقدم ابن جني تفسيرا آخر هو أن الله تبارك وتعالى : علم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات :العربية والسريانية و الفارسية والعبرانية و الرومية وغير ذلك من سائر اللغات . فكان هو و ولده يتكلمون بها ،ثم ان ولده تفرقوا في الدنيا وعلق كل منهم بلغة من تلك اللغات ، فغلبت عليه و اضمحل عنه ما سواها عهدهم بها

 أما الخفاجي فيذهب الى أن التوقيف الالهي مستند الى لغة سابقة له يفهم بها المقصود بافتراض أن المواضعة تقدمت بين آدم والملائكة .


 2ـ نظرية محاكاة أصوات الطبيعة :

 تذهب الى أن أصل اللغة محاكاة أصوات الطبيعة ،كأصوات الحيوانات وأصوات مظاهر الطبيعة ، والتي تحدثها الأفعال عند وقوعها ، ثم تطورت الألفاظ الدالة على المحاكاة ، وارتقت بفعل ارتقاء العقلية الانسانية وتقدم الحضارة .

 وذهب الى هذه النظرية " ابن جني" قديما ، و "ويتني " حديثا في القرن التاسع عشر.
 وليست هذه النظرية من اختراع "ماكس ميلر " ، كما أشار بعضهم بل عرفها العلامة ابن جني . وذكر أنه نقله عمن سبقه ، مما يدل أنه كان مذهبا شائعا و مقررا حيث يقول : وذهب بعضهم الى أن أصل اللغات كلها ، انما هو الأصوات المسموعات كدوي البحر وحنين الرعد ، وخرير الماء ، و شحيح الحمار ونعيق الغراب ... ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد"

 وقد كان ابن جني معجبا بهذه النظرية ،حيث أفرد لها بابا في كتاب الخصائص سماه
 ( باب في امساس الألفاظ أشباه المعاني ) ، قال فيه " و لو لم يتنبه على ذلك الا بما جاء عنهم من تسميتهم الأشياء بأصواتها ،كالخازبار لصوته ، و البط لصوته و نحو ذلك قولهم حاحيت ،و عاعيت ، هاهيت ، اذا قلت حاء ، عاء ، هاء ، وقولهم : بسملت ،هللت ، حوقلت . كل ذلك أشباهه انما يرجع اشتقاقه الى الأصوات و الأمر أوسع "

 والواقع أن لهذا النظرية ما يؤيدها . فالطائر المسمى في الانجليزية CUOKOO الى جانب الهرة المسماة "مو " في المصرية القديمة

 ويذهب بعض الباحثين الى أن هذه النظرية هي أقرب النظريات الى الصحة و الى
 المعقول ، وأكثرها اتفاقا مع طبيعة الأمور وسنن النشوء .

 ومن أهم أدلتها :

 1 ـ أن المراحل التي تقررها بصدد اللغة الانسانية ، تتفق في كثير من وجوهها ، مع مراحل الارتقاء اللغوي عند الطفل :فقد ثبت أن الطفل في المرحلة السابقة لمرحلة الكلام ، يلجأ في تعبيره الارادي الى محاكاة أصوات الطبيعة ، فيحاكي الصوت قاصدا التعبير عن مصدره ، أو عن أمر يتصل به .
 وثبت كذلك أنه في هذه المرحلة ـ و في بدأ مرحلة الكلام ـ يعتمد اعتمادا جوهريا في توضيح تعبيره الصوتي ، على الاشارات اليدوية والجسمية

 نقد النظرية :

 وجه الى هذه النظرية انتقاد أساسي، فهي من جهة تعجز عن تفسير مبدأ كيفية(حكاية الأصوات ) ، في آلاف الكلمات التي لا نرى الآن أية علاقة بين معناها وصوتها . فما العلاقة بين لفظ الكتاب و معناه ،مثلا ؟





 3 ـ نظرية الاتفاق والمواضعة والاصطلاح

 تقرر هذه النظرية أن اللغة ابتدعت و استحدثت بالتواضع ، و الاتفاق و ارتجلت ألفاظها ارتجالا . ومال كثير من العلماء والمفكرين الى هذه النظرية ،منهم : الفيلسوف اليوناني ديموكريط و أرسطو والمعتزلة .

 وقال بها من المحدثين أيضا : آدم سميث الانجليزي .

 وليس لهذه النظرية أي سند عقلي او نقلي أو تاريخي بل أن ما تقرره يتعارض مع النواميس العامة التي تسير عليها النظم الاجتماعية ، وعهدنا بهذه النظم ، أنها لا تخلق خلقا ، بل تتكون بالتدريج من تلقاء نفسها . اضافة الى ذلك فالتواضع على التسمية يتوقف في كثير من مظاهره على لغة صوتية يتفاهم بها المتواضعون فبأي لغة تواصل هؤلاء ؟
 هذه النظريات هي أشهر النظريات و هناك نظريات أخرى نكتفي بذكرها دون تفصيل ومنها :

 1 ـ نظرية الأصوات التعجبية العاطفية : نظرية pooh _ pooh

 2 ـ نظرية الاستجابة الصوتية للحركة العضلية : نظرية yo _he –ho

 3ـ نظرية جسبرسن الذي طالب بدراسة وافية للغة الطفل ، ولغات القبائل البدائية ، ودراسة تاريخية للتطور اللغوي . كل ذلك من أجل التوصل الى معرفة كيفية نشأة اللغة الانسانية الأولى وفق منهج علمي

 4 ـ نظرية فندريس : الذي يرى أن اللغة كانت لدى الانسان الأولى انفعالية محضة
 5ـ نظرية النشوء والتناسل : و ترى هذه النظرية أن اللغة نشأت بالطفرة و بشكل تلقائي ، فتفترض أن اللغة نشأت متكاملة في لحظة معينة ثم أعقبها التوالد والتكاثر.

 نرى كما يرى عدد من الباحثين ، أنه لاتوجد نظرية واحدة يمكن أن تفسر نشأة اللغة الانسانية و أن ثلاث نظريات متكاملة يمكن أن تفسرذلك . فالله سبحانه وتعالى أهل الانسان وأعطاه القدرات الخاصة ، فألهمه لكي ينطق وينشئ اللغة .

12.7.14

ما الحاجة إلى اللسانيات في قراءات القرآن الجديدة اليوم؟

يشير المستشرق الفرنسي المعروف روجيه أرنالديز (Roger Arnaldez)
إلى أن العلماء المسلمين كانوا استطاعوا بمفاهيمهم "تحريك النصوص القرآنية وإنعاشها بتفاسيرهم" إلى درجة "يصعب علينا اليوم حتى باسم العلوم الإنسانية أن نجد فيها شيئاً آخر جديداً غير الذي وجدوه"! وبالتالي فإن "المسلمين المحدثين الذي يستعيرون المناهج الغربية كان أحرى بهم أن يكتفوا بمناهج أسلافهم من القدماء، فهي توصلهم بالدقة نفسها. لأن يستخلصوا من الآيات القرآنية ما توصلهم إليه هذه المناهج التابعة للعلوم الإنسانية". كلام أرنالديز جاء في معرض رده على محمد أركون. من هذا المنطلق فإن السؤال عن الحاجة إلى اللسانيات اليوم هو سؤال مشروع، وهو الأكثر جذريّة فيما يتعلق باستثمار المعارف اللغوية الجديدة في دراسة القرآن الكريم.
يثبت الواقع التاريخي أن المناهج التي اعتمدت في تفسير القرآن حتى الآن في الإطار الإسلامي إلى ما قبل المدرسة الإصلاحية وعصر النهضة نهاية القرن التاسع عشر لم تعد تنتج من التفسير إلاّ تكراراً لما قيل في القرون الستة الهجرية الأولى، وتتوقف الفروقات على نكاتٍ بلاغية ولغوية تقريباً، ولم تعد هذه التفسيرات تلبي التطلعات والتساؤلات التي يطرحها الإنسان المعاصر؛ لهذا السبب برزت الحاجة لابتكار مناهج في التفسير، الأمر الذي ولَّد في منتصف القرن الماضي منهج التفسير الموضوعي، وحيث إيمان المسلمين بأن الزمن أهم مفسّر للقرآن (كما أثر عن ابن مسعود )، فهو نصٌّ يتجاوز دوماً المنهج بقدر ما يفتح للمنهج آفاقاً لقراءته، فالقول بإحاطة الإنسان بمعاني القرآن قولٌ لا يمكن الجزم به، فكل ما يحيط به الإنسان من المعرفة القرآنية سيكون إحاطة مرتبطة بحدود معارفه وتصوراته التاريخية، ففي الحين الذي نجد فيه النص لم يعد يتفسّر أكثر مما فسر به، ولم يعد يُقرأ إلاّ بما فُسّر به وقُرِئ، فإن ذلك مؤشر على نفاد طاقة المنهج؛ إذاً فالبحث عن منهج جديدٍ وتطوير المنهج في دراسة النص القرآني يمثل حاجة تاريخية ودينية معاً؛ إذ يمثل القرآن الرسالة الخاتمة للعالمين.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة – أيضاً- القطيعة مع المناهج القديمة، ذلك أن المناهج التي بنيت في التراث الإسلامي قامت على ضوء معايشتها للنص القرآني، وعلى وعي حقيقي بموقعه بوصفه نصَّاً إلهياً، والفهوم التي ولدتها تلك المناهج إذا كانت تختلف في الجزئيات فإنها في المجموع لا تتناقض، بل تتكامل، بحيث يُعد تجاوز أو تجاهل ذلك الإرث العلمي الضخم في تفسير القرآن ومناهجه خسارة جسيمة في حق مناهج البحث والتأويل المعاصر للقرآن، وبتراً لتراكم المعرفة من ناحية ثانية.
وبالرغم من أن التفكير اللساني العربي أفرز درساً شمولياً كونياً عن اللغة يتجاوز الخصوصية العربية، بل و"قادهم النظر أيضاً إلى الكشف عن كثير من أسرار الظاهرة اللسانية مما لم تهتد إليه البشرية إلاّ مؤخراً" وذلك - على حد تعبير اللساني التونسي عبد السلام المسدي- فليس هذا مثار استغراب؛ إذ أن يهتدي العرب المسلمون "إلى أخص خصائص الكلام بعدما تجمعت لديهم مصادر المنهج العقلاني، وطرق البحث الأصولي فذلك أمر طبيعي، بل لعله يكون عجيباً أن تكفَّ حضارة من الحضارات تدرَّعت بسلطان العلم على ظاهرة اللسان في ذاتها، فلا تهتدي إلى نفس المحصول من الحضارة والأسرار"، حيث كان النص القرآني مركز علومها، ويندرج في صلب التفكير اللغوي، لكن بالرغم من ذلك كله فإن اللسانيات قدمت نظريات وابتكرت مناهج وكشفت قوانين وعلوماً ما كان الفكر العربي يفكر بها، وهو أمرٌ طبيعي؛ ذلك أنها وليدة المنظومة الثقافية الغربية في ظل حضارة مختلفة المقومات، إن هذا الإنجاز الذي قدمته اللسانيات الحديثة - بالرغم من أنه يطرح إشكالية إبستمولوجية حقيقية - هو ما يفرض علينا استثماره وتطويعه بالقدر الممكن لخدمة المعرفة القرآنية، فنحن أمام الأسئلة التي يمكن أن يفرضها هذا الاستثمار والتطويع يجب أن ننطلق من استخدام ما تم إنجازه في المعرفة اللسانية في الغرب مع وعيٍ بهذه الأسئلة والمشكلات؛ لنتجنب نهاياتها الفلسفية باستمرار، ذلك أن النص القرآني بوصفه رسالة عالميةً تستمر في العطاء لكل العصور يتطلب الإيمان بقدرته على التفاعل مع مختلف الأنساق الحضارية والمناهج المعرفية.
وبقدر ما تبدو هذه التجربة فرصة لتطوير البحث العلمي في دراسة القرآن وتفسيره، فإنها أيضاً فرصة مهمة لاختبار جديّ لهذه العلوم عندما تنتقل إلى مجال النص الديني، واللغة العربية على وجه الخصوص (كما يشير أركون)، وبالتالي فإن هذه التجربة في أقل درجاتها تكشف عن الحدود الممكنة لاستخدام هذه العلوم ونتائج استخدامها، فبالإضافة إلى ما يجب أن يقوم به الباحث من استخدام اللسانيات لبناء قواعد وأسس لتحليل النص القرآني وتفسيره، فإن الباحث يجري أيضاً نقداً لمجموع التجارب التي درست القرآن الكريم باستخدام اللسانيات - على قلتها - في الفصل الأخير، للكشف عن العيوب التي حكمت تلك التطبيقات، أو استكشاف مدى دقتها العلمية وملاحظاتها المنهجية.
وفضلاً عن ذلك كله فإنه من حيث المبدأ يجب - ولا أقول "يجوز" فقط - على المسلمين استغلال كل ما توفره المعرفة الإنسانية (واللغوية منها على وجه الخصوص) لفهم كتابهم الكريم؛ ذلك أن تحقيق المعاصرة والشهادة على العصر يقتضي الاستفادة مما وصل إليه العصر نفسه، وإن كانت هذه الاستفادة محكومة - كما أسلفنا - بخصائص القرآن الكريم (باعتباره "إلهيَّ المصدر"، و"عربي اللغة"، و"رسالة هدي للعالمين")، ولا ينبغي أن نستغرب ما سيؤول إليه هذا الاستخدام للمعارف الحديثة، فثمة نتيجتان حتميتان لذلك تنتظراننا:
أولاهما: الاهتداء إلى معان لم يكن قد فُكِّر بها من قبل.
وثانيهما: الكشف عن عيوب في الفهوم السالفة والجهود التفسيرية التراثية على وجه العموم، وهي بطبيعة الحال جهود بشرية مهما قلنا عن ضرورة احترامها فإن هذا الاحترام الكبير لن يرقى إلى التقديس بالتأكيد.
بهذا المعنى فإن حاجتنا إلى اللسانيات اليوم في دراسة القرآن الكريم هي حاجة لتعاملنا مع العصر الحديث وإنجازاته المعرفية وهي في الوقت ذاته رهاننا لدخول هذا العصر بقوة معرفتنا لا بعنادنا على مواجهته وحسب.

25.1.14

المدرسة التداولية ( البراغماتية )

د. محمد محمد يونس

تعد الدراسات التخاطبية امتدادا، واستكمالا لجهود المدرسة الوظيفية، وتأتي هذه الدراسات نتيجة طبيعية لشعور المهتمين بها بإخفاق النموذج التقليدي للتخاطب traditional model of communication في تقديم تفسير ناجح لعملية التخاطب. ويمكن تلخيص أوجه الإخفاق فيه في كونه يتعامل مع التخاطب في عزلة عن السياقات الفعلية التي تستخدم فيها اللغة، ويصبغ عملية التخاطب بطابع مثالي تتجاهل فيه قضايا اللبس، والخروج عن المواضعات اللغوية، وقصر وظائف اللغة على عملية الإبلاغ،[1]، وإهمال الأصول التخاطبية المفسرة لمقاصد المتكلمين.

ولكي نوضح ذلك يحسن أن نشرح كيف عجز النموذج التقليدي للتخاطب الذي قصر اهتمامه على العناصر، والبنى اللغوية التي ينطقها المتكلم في استنباط (2) من القولة (1):
(1) أكل خالد بعض الخبيز.
(2) لم يأكل خالد كل الخبيز.
فليس ثمة عنصر لغوي في (1) يشير إلى (2)، كما أن كل البنى الصرفية، والنحوية، والمعجمية التي تضمنتها (1) لا تفسر استنباطنا المعتاد للمفهوم من (2). وكانت أول محاولة ناجحة في هذا الشأن ما قدمه فيلسوف اللغة الأمريكي Paul Grice Herbert (1913-1988) فيما سمي بمبادئ المحادثة conversational maxims. وبتطبيق هذه المبادئ، والتعديلات التي طرأت عليها أصبح بالإمكان أن نصل إلى كيفية استنباط (2) من (1). صاغ قرايس مبدأ التعاون the Co-operative Principle الذي يقتضي أن المتكلمين متعاونون في تسهيل عملية التخاطب، وهو يرى أن مبادئ المحادثة المتفرعة عن مبدأ التعاون هي التي تفسر كيف نستنج المفاهيم الخطابية. ويمكن تلخيص تلك المبادئ في الآتي:
1- مبدأ الكمّ maxim of quantity:
(أ‌) تكلّم على قدر الحاجة فقط (القدر الذي يضمن تحقيق الغرض من التخاطب).
(ب‌) لا تتجاوز بإفادتك القدر المطلوب.
2- مبدأ الكيف maxim of quality:
(أ‌) لا تقل ما تعتقد كذبه.
(ب‌) لا تقل ما يعوزك فيه دليل بيّن.
3- مبدأ الأسلوب maxim of manner
(أ‌) تجنب إبهام التعبير.
(ب‌) تجنب اللبس
(ت‌) أوجز كلامك (تجنب الإطناب الزائد).
(ث‌) ليكن كلامك مرتبا.
4- مبدأ المناسبة maxim of relation:
- ليكن كلامك مناسبا لسياق الحال (be relevant)[2]
لقد طوّرت نظرية قرايس بفضل جهود باحثين في مجال علم التخاطب، ومن بينهم هارنيش Harnish الذي أضاف بعض التعديلات منها الجمع بين مبدئي الكم، والكيف[3]، وصادُك Sadock الذي أشار إلى إمكان تقليص بعض مبادئ قرايس، وأبرز بعض الثغرات في معيار الإبطال الذي صممه قرايس لاكتشاف المفاهيم الخطابية conversational implicatures المولّدة نتيجة انتهاك أحد مبادئ المحادثة المشار إليها سابقا. وتمكن صادُك من إضافة معايير أخرى لاختبار تلك المفاهيم،[4] غير أن أقوى التحديات جاءت من ويلسون Wilson، وسبيرير Sperber اللذان شككا في مبادئ قرايس، واستثنيا من ذلك مبدأ المناسبة الذي جعلا منه أساسا لنظرية سمياها بنظرية المناسبة theory of relevance.[5] وبالعودة إلى المثال (1) يمكننا معرفة الأساس الذي يستند إليه المتخاطبون في استنتاج (2) باللجوء إلى مبدأ الكم الذي بمقتضاه يفترض السامع أن قائل (1) ما كان ليستخدم صيغة أضعف (وهي كلمة "بعض") إذا كان متلقيه معنيا بالصيغة الأقوى (وهي كلمة "كل") التي كان بإمكان المتكلم أن يقولها بدلا مما قال. فالقاعدة إذن –كما يذكر جيفري ليتش أن "القضية الأضعف تستلزم أن المتكلم يعتقد بنفي القضية الأقوى". وهكذا فإن ذكر "بعض الخبيز"يستلزم نفي "كل الخبيز".[6]
لاشك أن مثل هذه المباحث فتحت مجالا جديدا واسعا في آفاق اللسانيات، وأسهمت في مد جسرٍ يصل بين البحث اللغوي المحض، والمنطق، فضلا عن كونها برهنت على أن عملية التخاطب لا تقتصر على المعطيات اللغوية؛ بل تتناول أيضا عناصر منطقية، وأخرى تخاطبية، وهو ما أعطى لهذا الحقل بعدا إبستمولوجيا جديدا يبدو فيه التشديد على تداخل المعارف، والعلوم المختلفة، والعلاقة التكاملية بينها. وقد سبق لعلماء أصول الفقه الإسلامي أن أدركوا هذه الحقيقة، وجعلوا منها مزيّة رجحت كفّتهم على كفة النحاة الذين قصروا اهتماماتهم على دراسة البنى اللغوية، وأهملوا الجوانب التخاطبية، والعمليات الاستنتاجية الملازمة لعملية الخطاب. ويبدو شعور تفوّق الأصوليين واضحا عند محمد بخيت المطيعي في قوله إن علماء الأصول "نحاة، وزيادة"،[7] كما صرح عبد العلي الأنصاري قبله بتفوّق علماء أصول الفقه على أهل العربية.[8]
تفترض البراغماتية pragmatics [9] وجود توقعات بين المتخاطبين، وأصول خطابية تحكم سلوكهم، واستنتاجاتهم، ومن الواضح جدا أنها تعنى بالأداء، وليس بالكفاية خلافا للتوليديين. وقد عرف عن البراغماتيين تشكيكهم في فكرة قصر اللسانيات على دراسة الكفاية اللغوية بعيدا عن الاستخدام، والسياق، وفي ما يتطلبه ذلك من قدر عال من التجريد، والأمثلَة.[10]
لقد جاءت البراغماتية بعد مراحل من الدراسات الصورية، أو البنائية formal للمعنى، التي عرف بها التوليديون على وجه الخصوص، ولعل روبين لاكوف Robin Lakof من أوائل التوليديين الذين شككوا في إمكان دراسة المعنى معزولا عن السياق، وتحمل شهادة أحد التوليديين المعروفين بإغراقهم في التجريد على إخفاق النهج الصوري البنائي في دراسة المعنى قيمة خاصة في البرهنة على أهمية السياق، والاستخدام في تقديم تفسير سليم لعملية التخاطب.
ومنذ السبعينيات توالت الانتقادات للدراسات التي تجعل من الجملة وحدة للتحليل اللغوي، وزاد عزوف مختلف الباحثين عن الدراسات التي لا تأخذ في حسبانها العناصر السياقية، والجوانب التخاطبية في دراسة اللغة. فاللسانيون الاجتماعيون بدؤوا يرفضون فكرة المتحدث المثالي عند تشومسكي، وشبيه بهذا ما فعلته اللسانيات النصية، وتحليل الخطاب حين رفضتا قصر الدراسات اللسانية على ما يسمى بنحو الجملة sentence grammar؛[11] متأثرين في ذلك ببعض الوظيفيين من أمثال فيرث، وهاليدي، وميتشال Mitchell الذي بلغت شهرتهم أوجها في الخمسينيات.
ولعل من أهم ما ينبغي أن يذكر في سياق الحديث عن البراغماتية الدور المهم، والمؤثر الذي قام به فلاسفة اللغة في تطوير هذا المجال. ومن الأعلام المهمين هنا -إضافة إلى بول قرايس المشار إليه سابقا -أوستين Austin، وسيرل Searle اللذان قدما للسانيات نظريتهما المعروفة بأفعال الكلام speech acts theory. تقوم هذه النظرية على فكرة أننا عندما نتحدث فإننا نقوم بأفعال، أو أحداث، ويبدو هذا واضحا فيما عرف بالقولات الإنشائية performative utterances التي يمكن أن نمثل لها بما يطلق عليه في كتب الفقه مصطلح "صيغ العقود" نحو "بعتك"، و"زوجتك"، وطلقتكِ"، ومنها أيضا "أعِدك"، و"أرجوك" "وأتمنى أن تفعل ذلك"، ونحوها مما يقترن فيه القول بعمل يصح أن نعده منجزا بمجرد انتهاء المتكلم من كلامه؛ كالطلاق، والبيع، والنكاح، والوعد، والرجاء، والتمني. وقد أضافت هذه النظرية تطورا إبستمولوجيا جديدا في اللسانيات ترتب عليه إعادة النظر في موضوعه من حقل يدرس الأقوال إلى مجال تدرس فيه الأقوال المقرونة بالأفعال، كما ترتب عليه إعادة النظر في طبيعة اللغة، واستخدامها.
لقد أتاحت الطبيعة الموسوعية للبراغماتية الفرصة لتعاون كبير بين المناطقة، والبراغماتيين (وكذلك علماء الدلالة) في سبيل تقديم نموذج متطور لعملية التخاطب يأخذ في حسبانه كل الأبعاد اللغوية، والمنطقية، والتخاطبية، وهو ما أدى إلى بروز أعمال تناقش موضوعات مشتركة[12] مثل أنواع الاستنتاج types of inference، والافتراضات presuppositions، والمفاهيم الخطابية conversational implicatures، والتعيين deixis.
وأخيرا علينا أن نذكّر بأن البراغماتية لا تقتصر على كونها فرعا من فروع اللسانيات النظرية، بل هي أيضا مدرسة متميزة في مناهجها البحثية، وفي موضوعاتها، وفي أصولها. وربما كان من العوامل التي أدت إلى دراستها باعتبارها حقلا من حقول اللسانيات أكثر من الحديث عنها بوصفها مدرسة أن الحديث عنها باعتبارها مدرسة يقتضي صوغ الاسم الذي يشير إليها بإضافة اللاحقة ism (على منوال Structuralism، وFunctionalism، و(Generativism يؤدي إلى التباسها بالمدرسة الفلسفية pragmatism (الذرائعية)، وقد سبق أن أشرنا إلى الفرق بينهما في أحد الهوامش.

[1] A. Akmajian, R. A. Demers and R. M. Harnish, Linguistics: An introduction to Language and Communication, 2nd edn. (Cambridge: The MIT Press, 1984) 392-8.
[2] See H. P. Grice, “Logic and Conversation”, in Steven Davis (ed.), Pragmatics: A Reader (New York: Oxford University Press, 1991) pp. 305-315, pp307-9. See also “Logic and Conversation”, in Peter Cole and Jerry L. Morgan (eds.), Syntax and Semantics, 3: Speech acts (New York: Academic Press, 1975), pp. 41-68.
[3] See R. M. Harnish, “Logical Form and Implicature” ”, in Steven Davis (ed.), Pragmatics: A Reader (New York: Oxford University Press, 1991) pp. 316-364.
[4] J. M. Sadock, “On Testing for Conversational Implicature”, in Steven Davis (ed.), Pragmatics: A Reader (New York: Oxford University Press, 1991) pp.365-376.
[5] See D Wilson and Dan Sperber, “Inference and Implicature”, in Steven Davis (ed.), Pragmatics: A Reader (New York: Oxford University Press, 1991) pp.377-393. See also, Dan Sperber and Deirdre Wilson, Relevance: Communication and Cognition (Oxford: Blackwell, 1986).
[6] Leech, 1983: 85.
[7] المطيعي، محمد بخيت، سلم الوصول لشرح نهاية السول (بيروت: عالم الكتب، د-ت) 2:350.
[8] الأنصاري، عبد العلي، فواتح الرحموت بشرح مسلّم الثبوت، ط2 (قُم، إيران: دار الذخائر، 1368هـ) 1:315، وانظر 1:251.
[9] أفضّل ترجمة مصطلح pragmatics بعلم التخاطب، وليس بالتداولية، أو النفعية، أو الذرائعية كما يفعل عدد من اللسانيين العرب توهّما منهم بأن pragmatics، و pragmatism شيء واحد. والواقع أن المصطلح الأول يطلق على الدراسات التي تعنى بالمعنى في السياقات الفعلية للكلام، وهو ما يتفق مع معناها الحرفي، وهو "علم الاستعمال". وإذا نظرنا في تراثنا البلاغي، والأصولي فسنلحظ أن الاستعمال –الذي يقابل الوضع عادة – يطلق على النشاط الذي يقوم به المتكلم في عملية التخاطب؛ ولذا فإن ترجمة pragmatics بعلم التخاطب أنسب –في رأيي – من الخيارات التي اطلعت عليها حتى الآن. أما pragmatism فهي مدرسة فلسفية ظهرت في أمريكا تذهب إلى أن الفكرة النظرية لا تجدي نفعا ما لم تكن لها تطبيقات عملية. وعلى الرغم من وجود صلة منهجية بين المجالين (والمصطلحين) تكمن في التقليل من شأن المجرد، والعناية بما هو عملي، وسياقي، ومتحقق فعلا؛ فإن اهتمام الحقل المسمى بـ pragmatics يقتصر على اللغة خاصة، في حين يعنى الحقل الآخر بالفلسفة، وإن امتدت آثاره إلى السياسة، وعلم الاجتماع، وغيرهما. وللتوسع في هذا الموضوع انظر المصادر الآتية:
-Lyons, 1977: 119.
-Levinson, 1983) p. 1.
آن روبول، وجاك موشلار، التداولية اليوم: علم جديد في التواصل، ترجمة سيف الدين دغفوس، ومحمد الشيباني (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2003) ص 27-28.
[10] See Leech, 1983:3.
[11] See Leech, 1983:4.
[12]See for example J. Allood and others, Logic in Linguistics (Cambridge: Cambridge University Press, 1977). See also L. T. F. Gamut, Logic, Language and Meaning (Chicago: the University of Chicago, 1991).

اللسانيات النصية دواعي التأسيس والأهمية


لقد ظهرت اللسانيات النصية تجاوزا للدراسات اللسانية الجملية بمختلف توجهاتها (البنيوية، التوزيعية، والسلوكية، والوظيفية، التوليدية التحويلية..)، ولا يعني التجاوز هنا القطيعة العلمية بين تلك التوجهات واللسانيات النصية، وإنما تطور العلوم يفترض استفادة اللسانيات النصية من كل معطيات اللسانيات الجملية، وتجاوز قصور هذه الأخيرة من حيث أن الجملة لم تعد كافية لكل مسائل الوصف اللغوي من حيث الدلالة والتداول والسياق الثقافي العام، وكل ذلك له دور حاسم في التواصل اللغوي، وقد أخرجت لسانيات النصية علوم اللسان من «مأزق الدراسات البنيوية التركيبة التي عجزت في الربط بين مختلف أبعاد الظاهرة اللغوية»(1).
 وقد اتخذت اللسانيات النصية هدفا رئيسيا ترمي الوصول إليه؛ وهو الوصف والتحليل والدراسة اللغوية للأبنية النصية، وتحليل المظاهر المتنوعة لأشكال التواصل النصي(2).
 ذلك أن النص ليس بناء لغويا فحسب وإنما يدخل ذلك البناء في سياق تفاعلي بين مخاطِب ومخاطَب، تفاعل لا يتم بجمل متراكم بعضها فوق بعض كيفما اتفق غير متماسكة ولا يربطها رابط، ولا تدرك النصوص بوصفها أفعال تواصل فردية بل بوصفها نتائج متجاوزة الافراد، ومن هذا المنطلق يجب أن يتخذ التحليل اللغوي النص مبتغاه النهائي في الدراسة، وهذا ما دعا إليه (فاينريش 1927م)، و(ب.هارتمان 1968م)(3).
 ويُعَدّ الأمريكي (هاريس 1952م) أول من استخدم التحليل النصي الشامل من خلال دراسته الموسومة بـ(تحليل الخطاب Discours Analysis)، وه وبحث قيم بدأت معه بوادر الاهتمام بالنص، والنص وسياقه الاجتماعي، وقدم في بحثه أول تحليل منهجي لنصوص بعينها(4).
 وقد اهتم هاريس بتوزيع العناصر اللغوية في النصوص المطولة، والروابط بين النص وسياقه الاجتماعي(5).
 ولا يعتبر هاريس أول لساني حديث يعتبر الخطاب موضوعا شرعيا للدرس اللساني فحسب؛ بل إنه تجاوز ذلك إلى تحقيق قضاياه التي ضمنها برامجه بتقديم أول تحليل منهجي لنصوص بعينها، وقد رأى هاريس ضرورة تجاوز (نحو الجملة)، ذلك أن الدراسات اللسانية وقعت في مشكلتين لابد من تجاوزهما وهما:
* «الأولى: قصر الدراسة على الجمل، والعلاقات فيما بين أجزاء الجملة الواحدة.
* الثانية: الفصل بين اللغة Languge والموقف الاجتماعي Social Situation مما يحول دون الفهم الصحيح، فجملة مثل (كيف حالك) قد تعطي في سياقها معنى التحية، أكثر منها السؤال عن الصحة، ومن ثَمّ اعتمد في منهجه في تحليل الخطاب على ركيزتين:
* العلاقات التوزيعية بين الجمل
* الربط بين اللغة والموقف الاجتماعي
بعد ذلك بدأ بعض اللسانيين ينتبهون إلى المشكلتين اللتين أشار إليهما هاريس، وإلى أهمية تجاوز الدراسة اللغوية مستوى الجملة إلى مستوى النص، والربط بين اللغة والموقف الاجتماعي مُشَكِّلين بذلك اتجاها لسانيا، أخذت ملامحه ومناهجه وإجراءاته في التبلور منذ منتصف الستينات تقريبا»(6).
لقد اهتمت اللسانيات النصية بالدلالة والسياق اللذين كانا غائبين في لسانيات الجملة الذي كان يصف الأبنية اللغوية ولكنه «لم يُعن بالجوانب الدلالية عناية كافية، مما جعل علماء النص يرون أن البحث الشكلي للأبنية اللغوية ما يزال مقتصرا على وصف الجملة، بينما يتضح من يوم إلى آخر أن جوانب كثيرة لهذه الأبنية لا يمكن أن توصف إلا في إطار أوسع لنحو النص أ ونحو الخطاب»(7).
 وقد توسعت اللسانيات النصية في اعتبار السياق في عملية التواصل، ذلك أن التواصل اللغوي تسهم فيه عناصر تتعلق بالمخاطِب والمخاطَب والنص والظروف المحيطة بهم جميعا، إن لسانيات الجملة ليست كافية لكل مسائل الوصف اللغوي، فقد تتماسك جمل النص بروابط غير نحوية على الإطلاق.
 وبعبارة أخرى يمكن أن نقول أن هناك بعض العلاقات اللغوية بين الجمل التي تُكوِّن النص، قد تكون روابط تماسكية نحوية، وهنا يمكن الاستفادة من لسانيات الجملة أ والنحو، وقد تكون روابط تماسكية غير نحوية شكلية أي دلالية وهنا يجب البحث عن العلاقات بين الجمل في إطار معطيات اللسانيات النصية، كما يمكن استثمار النص ووتوظفيه نصيا لكشف آليات التماسك داخل النص، ومن بين الظاهرة النحوية التي يجب النظر إليها من خلال معطيات اللسانيات النصية ما يأتي:
* الضمائر ووظائفها النصية
* أسماء الإشارة
* التعريف والتنكير
* التذكير والتأنيث
* التكرار (التماسك المعجمي)
* الاستدراك
* التوابع (الصفة، البدل،الحال)
* الحذف
* الصلة
* التقديم والتأخير
* الاستثناء
* الزمن
* العلاقات الموضوعية
* العام والخاص
* الكل والجزء
* الكبير والصغير
 ويُبين أحد الباحثين أن إقصاء المعنى في اللسانيات التقليدية كان وراء عجزه عن تحليل كثير من الظواهر اللغوية، ذلك أن «الفهم الحق للظاهرة اللسانية يوجب دراسة اللغة دراسة نصية وليس اجتزاء والبحث عن نماذجها وتهميش دراسة المعنى، كما ظهر في اللسانيات البلومفيدية أول أمرها، ومن ثمّ كان التمرد على نحو الجملة والاتجاه إلى نحو النص أمرا متوقعا، واتجاها أكثر اتساقا مع الطبيعة العلمية للدرس اللساني الحديث، إن دراسة النصوص هي دراسة للمادة الطبيعية التي توصلنا إلى فهم أمثل لظاهرة اللغة؛ لأن الناس لا تنطق حين تنطق، ولا تكتب حين تكتب جملا أو تتابعا من الجمل ولكنها تُعبِّر في الموقف اللغوي الحي من خلال حوار معقد متعدد الأطراف مع الآخرين، ويكثر في هذه الحال تصادم الاستراتيجيات والمصالح وتعقد المقامات، ومثل ذلك نراه في حديث الكتابة حين تتعقد العلاقات بين مكونات الصياغة اللغوية وترتد أعجازها عن صدورها، وتتشابك العلاقات في نسيج معقد بين الشكل والمضمون على نحو يصبح فيه رد الأمر كله إلى الجمل أو نماذج الجمل تجاهلا للظاهرة المدروسة، رَدّا له إلى بساطة مصطنعة تخل بجوهرها، وتقضي إلى عزل السياقات المقالية والمقامية والأطر الثقافية، واعتبارها أمرا قائما خارج النحو وطارئا عليه»(8).
يرى الدكتور محمد الشاوش، وهو أحد المختصين العرب في اللسانيات النصية وبالضبط في تأصيل اللسانيات النصية في النحو العربي أنه «لم يتجاوز نحو الجملة سوى في نهاية الستينات الميلادية في حين أن سنة (1984م) تمثل ذروة الاهتمام بنحو النص وتحليل الخطاب حيث بلغت الأعمال المنشورة فيها (298) عملا»(9).
يمكن القول إنه كانت هناك إشارات في الدراسات الغربية، وفي التراث العربي والإسلامي إلى أهمية التحليل النصي المتجاوز للجملة، نجد في تلك الإشارات التوجه إلى ضرورة التحليل النصي الذي يتجاوز الجملة إلى فضاء أرحب هو الفضاء النصي.
 وتعتبر البداية الحقيقية لدراسة النصية كعلم مستقل كانت على يد فندايك Van Dijk الذي يقول: «لقد توقفت القواعد واللسانيات التقليدية غالبا عند حدود وصف الجملة وأما في علم النص، فإننا نقوم بخطوة إلى الأمام، ونستعمل وصف الجمل بوصفه أداة لوصف النصوص، وما دمنا نستتبع هنا المكونات المعتادة للقواعد، وسنستعمل النصوص المستخدمة بغية وصف الجمل، فإننا نستطيع أن نتكلم عن قواعد النص»(10).
 فقد كان فندايك يسعى لإقامة لسانيات نصية تدرس البنية النصية، ومظاهر التماسك في النص، ويأخذ في الاعتبار كل الأبعاد البنيوية والسياقية والثقافية(11).
لقد كانت الحاجة إلى اللسانيات النصية ضرورة ملحة لتجاوز بعض الصعوبات التي واجهت اللسانيات الجملية، وذلك لتغير الكثير من المفاهيم النقدية الحديثة، وتغير النظرة إلى اللسانية إلى مفهوم اللغة ووظيفتها، ونجمل أهمية اللسانيات النصية فيما يلي(12):
أولا: إن اللسانيات النصية تركز على النص كبنية كلية، لا على الجمل كبنية فرعية، وعلى هذا اجتذبت النصوص اللسانيات النصوصية بناء على أن نحو النص يشمل النص، وسياقه، وظروفه، وفضاءاته، ومعانيه المتعالقة القبلية والبعدية، مراعيا ظروف المتلقي وثقافته وأشياء كثيرة تحيط بالنص، أما ما كان يحدث في المناهج اللسانية التراثية، فهو تناول للنص بالشرح؛ فلم يكن ينظر في مجمل النص ولتماس فهمه بوصفه ذا وحدة عضوية تجعل بعضه يفسر بعضا، وإنما كان الشرّاح يبنون شروحهم على المفردات، ثم يغوص في الدلالة المفردة لهذا اللفظ، مع ندرة الانتباه إلى العلاقات العضوية بين أجزاء النص، وما كان لهذا المنهج في شرح النصوص أن يؤدي إلى الفهم الكامل لدلالته ومقاصدها.
 ولعلّ هذا الفهم يصدق حتى على عمل أغلب المفسرين وشرحهم للنص القرآني، مع أن بعضهم أدرك ضرورة وجود هذه العلاقات التماسكية، وأن القرآن يفسر بعضه بعضا، وأن السنة تفصّل ما في القرآن من إجمال.
ثانيا: كثير من الظواهر التركيبية لم تفسر في إطار الجملة تفسيرا مقنعا، وربما تغير الحال إذا اتجه الوصف إلى الحكم على هذه الظواهر في إطار وحدة أكبر من الجملة، ويمكن أن تكون هذه الوحدة هي النص.
 ومن ذلك فإن اللسانيات النصية قد ضمت عناصر لم تكن في لسانيات الجملة، عناصر بناء قواعد جديدة منطقية ودلالية وتركيبية لتقديم شكل جديد من أشكال التحليل لبنية النص، وتصور معايير التماسك، ولهذا تضافرت تقريرات اللسانيين من أمثال بايك وهارتمان وجليسون وفندايك...على أن اللسانيات النصية بالنسبة لأي لغة هو أكثر شمولا وتماسكا واقتصادا من القواعد الموجودة في لسانيات الجملة، ومن هنا تغيرت الأهداف فأصبحت اللسانيات النصية تعنى بظواهر نصية مختلفة، منها علاقات التماسك، وأبنية التطابق والتقابل والتراكيب المحورية والتراكيب المجتزأة، وحالات الحذف، والجمل المفسرة، والتحويل إلى الضمير، والتنويعات التركيبية وتوزيعاتها في نصوص فردية وغيرها من الظواهر التركيبية التي تخرج عن إطار الجملة المفردة التي لا يمكن تفسيرها تفسيرا كاملا دقيقا إلا من خلال وحدة النص الكلية.
ثالثا: تغيّر الدرس اللساني في نظرته إلى اللغة، وذلك للإحساس الطاغي بالوظيفة الاجتماعية للغة، وإلى ضرورة وجود الدور التواصلي الذي يعده علماء اللسانيات جوهر العمليات الاجتماعية، ومن هنا أدرك اللسانيون أن اجتزاء الجمل يحيل اللغة الحية فتاتا وتفاريق من الجمل، وهو ما نجده في شواهد النحو والبلاغة المنزعة من سياقها وهو ما يتنافى مع مبادئ اللسانيات النصية. إن تلك الوظيفة الاجتماعية، وهذا الدور التواصلي للغة يفسحان الطريق للنحو أن يتسع مفهومه، ليصبح مكونا من مكونات نظرية شاملة، تفسر السلوك الإنساني، وهذا لا يتم إلا من خلال نص متماسك بسياق تواصلي وليس من خلال جملة.
 رابعا: إضافة مهام جديدة للسانيات ليست من اختصاص لسانيات الجملة، ومن تلك المهام صياغة قواعد تمكننا من حصر كل النصوص النحوية في لغة ما بوضوح، ومن تزويدنا بوصف للأبنية، فاللسانيات النصية إعادة بناء شكلية للكفاءة اللغوية الخاصة بمستخدم اللغة في عدد لا نهائي من النصوص.
خامسا: يمكن للسانيات النص أن تقدم خدمة كبيرة للترجمة، حيث يرى روبرت دي بوجراند أنه يمكن للسانيات النص أن تقدم إسهاما للترجمة، بعكس اللسانيات التقليدية التي تُعنى بالنظم الافتراضية لأن الترجمة من أمور الأداء، وليس امتلاك المعجم والنحو فقط كافيا للقيام بالترجمة بسبب الحاجة إلى التماسك في استعمالات اللغة، وذلك من المهام الأساسية للسانيات النص، لذا يمكن أن يفيد كثيرا في هذا المجال في النقل من اللغات الأجنبية إلى العربية أو العكس.
سادسا: نستطيع من خلال اللسانيات النصية أن نعيد النظر في بعض المفاهيم اللغوية التقليدية السائدة وذلك إما لتعميقها أو لتعديلها، ومثال ذلك ما يشير إليه النقاد من افتقار الشعر الجاهلي إلى الوحدة العضوية، وذلك لتعدد الأغراض في القصيدة الواحدة، ولكن يمكن من خلال اللسانيات النصية إعادة دراسة القصيدة في العصر الجاهلي من خلال وسائل التماسك، وذلك لإيجاد التماسك المفهومي الملحوظ أو حتى بعض وسائل التماسك الرصفي الذي ينتج عنه القول بوجود وحدة عضوية كاملة، وقد قدم الدكتور سعد مصلوح نموذجا لتلك الدراسة حول قصيدة المرقش الأصغر (بنت عجلان)، وقد استطاع أن يلمس مدى إحكام النسيج في التشكيل اللغوي للنص، وصلة ما بين النص وعالم النص، واستطاع أن يكشف بواسطة آليات التماسك النحوي والدلالي عن ثراء النص.
 هــوامش البحث:
1- خولة طالب الإبراهيمي، مبادئ في اللسانيات، دار القصبة للنشر، 2000م، ص167
2- أحمد عفيفي، نحو النص اتجاه جديد في الدرس النحوي، مكتبة زهراء الشرق، ط1، 2001م، ص31
3- فول فجانج هاينه مان وديتر فيهفجر، مدخل إلى علم لغة النص، ترجمة سعيد حسن بحيري، مكتبة زهراء الشرق، ط1، 2004م، ص20-21
4- سعد مصلوح، العربية من نحو الجملة إلى نحو النص، ضمن كتاب الأستاذ عبد السلام هارون معلما ومؤلفا ومحققا، تحرير وديعة طه النجم وعبده بدوي، كلية الآداب، 1410هـ-1990م، الكويت، ص407
5- زتسيسلاف واورزيناك، مدخل إلى علم النص مشكلات بناء النص، ترجمة د. سعيد بحيري، مؤسسة المختار، 2003 م، القاهرة، ص36-37
6- جميل عبد المجيد، البديع بين البلاغة واللسانيات النصية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م، ص17
7- برند شبلنر، علم اللغة والدراسات الأدبية دراسة الأسلوب البلاغة علم اللغة النصي، ص184
8- سعد مصلوح، العربية من نحو الجملة إلى نحو النص، ص413
9- محمد الشاوش، أصول تحليل الخطاب في النظرية النحوية العربية تأسيس نحو النص، سلسلة اللسانيات، المجلد14، جامعة منّوبة، تونس، والمؤسسة العربية للتوزيع، ط1، 1421هـ-2001م، بيروت، 1/77-76
10- فندايك، النص بنى ووظائف مدخل أولي إلى علم النص، ترجمة منذر عياشي، ضمن كتاب العلاماتية وعلم النص، المركز الثقافي العربي، ط1، 2004م، بيروت، 1/147
11- سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي النص-السياق، المركز الثقافي العربي، 1989م، بيروت والدار البيضاء، ص15
12- أحمد عفيفي، نحو النص اتجاه جديد في الدرس النحوي، ص37-42 . 


عمــران رشيـــد
أكاديمي من الجزائر

11.1.14

إصدار جديد بالإنجليزية للباحث اللغوي المغربي عبد القادر الفاسي الفهري

صدر مؤخرا عن دار النشر جون بنجامنز  John Benjamins بأمستردام العريقة والذائعة الصيت مؤلف جديد باللغة الإنجليزية للباحث اللغوي المغربي عبد القادر الفاسي الفهري يحمل عنوان: "السمات والوسائط المفاتيح في نحو اللغة العربية" Key Features and Parameters in Arabic Grammar. يقع الكتاب في358  صفحة، بالإضافة إلى 20 صفحة تتضمن التصدير.
ونظرا لأهمية الكتاب وتمكنه بحثا ومنهجا، فقد أبى رائد اللغويات المعروف نعام شومسكي إلا أن يصدره بتنويه وإشادة بجديته وعمق تحليله، فذهب إلى أن "هذه الدراسة الرائعة مساهمة كبرى في اللسانيات العربية واللسانيات العامة النظرية، وهي متجذرة في العلم الممتد من التراث اللغوي العربي الغني إلى الأسئلة الطليعية للبحث الحالي. فالمؤلف يقدم تحاليل دقيقة ودامغة للسمات المركزية للغات السامية، ويموقعها في إطار مقارن ملهم، ويطور أفكارا جديدة جذابة في الدلالة والتركيب لها نتائج واسعة ثاقبة. إنه إنجاز هام جدا يستحق الترحيب".
يبحث الكتاب في السمات والوسائط المفاتيح في اللغة العربية في ضوء البرنامج الأدنوي للنظرية التوليدية minimalist)) وفي إطار نظرية الوسائط المقارنة المتعلقة بالتنوع اللغوي (parametric theory).
ويتضمن الكتاب ثلاثة أبواب، كل واحد منها يحتوي فصولا عديدة. الباب الأول ينكب على دراسة الوجائه الصرفية التركيبية والدلالية، الزمنية (temporality)، والجهية (aspectuality)، والحدثية (actionality)، بما في ذلك الالتباس بين الماضي والمكتمل (Perfect) والتام (Perfective)، وتجانس الصرف الزمني التركيبي، وتضام تأويل ظرف الزمن، وتأويلية عدد الفعل باعتباره متعدد حدثيا. وقد تم تخصيص الباب الثاني لهندسة الأسماء، وسلوك الأسماء العارية باعتبارها نكرات فعلية، والتفريع الثنائي إلى كتلة ومعدود، والترتيب في صورة المرآة للصفات المتسلسلة، ونقل الاسم إلى الحد في تراكيب الملكية وأسماء الأعلام، والمنادى المفرَّد. ويفحص الباب الثالث دور المركب المصدري في ارتباط بالزمن والفضاء، وولوج القراءة المزدوجة (في اللغات ذات القراءة المزدوجة (DAR)، وسلسلة الزمن (SOT)، والمقولات الضميرية الصامتة في اللغات ذات الفاعل الفارغ والضمير العائد والجنسي، وتأويلية الصُّرفة (interpretability of inflection). وقد تم عرض الوسائط الدلالية والصورية على نحو منظم داخل نموذج مزيج للوسائط المتعلقة بالتنوع اللغوي.
فالكتاب عمل دقيق للمختصين في علوم العربية وعلوم اللسان، وهو ثمرة عمل دؤوب في البحث اللساني العربي والمقارن امتد في أكثر من ربع قرن، بحثا وتدريسا وتأليفا وتأطيرا، يخوض فيه المؤلف في قضايا شائكة وصعبة في البحث اللساني التحديثي. وإذا كان البحث يعالج أبوابا نحوية دقيقة في اللغة العربية، فهو ينخرط في النقاش العام حول خصائص اللغات الطبيعية، ويموقع اللغة العربية في قلب النقاش اللغوي العالمي، بما في ذلك خصائص اللغات وقواعدها، وبنائها الهندسي، الخ. وهو يغني ويطور النظرية اللسانية التوليدية في مشروع علمي ملتزم، ومشروع لغوي يتمثل في إقامة نحو عربي جديد وجذاب، بجرأة منهجية وتحليلية نادرة، مما يضيف هذا العمل إلى اللبنات الأساسية في صرح الثقافة اللسانية العربية التي رادها الأستاذ الفاسي، وأراد لها أن تكون علمية وجديدة بعمقها وأصالتها.

الكتاب موجه بالأساس إلى الطلبة والباحثين ومدرسي اللغة العربية واللغات السامية، والمهتمين باللسانيات المقارنة والتنميطية واللسانيات العامة. وباعتباره من أهم الكتب الصادرة حول اللسانيات العربية واللسانيات المقارنة العامة،  فإن ترجمته إلى اللغة في القريب العاجل أمر ملح وحيوي.

5.11.13

القراءات والدّرس النّحوي

القراءات والدّرس النّحوي:
كان اهتمام النّحاة بالقراءات القرآنية جلياً فهم من أخذوا بشروط القراءة المقبولة –غالباً – ولكنّهم قبلوا القراءة النادرة والشاذة – أحياناً – بعد أن أخضعوها لمقاييسهم، فهم- مثلاً- لم يقبلوا "قراءة أحد من القرّاء إلاّ إذا ثبت أخذه عمَّن فوقه بطريق المشافهة والسماع حتّى يتّصل الإسناد بالصحابي الذي أخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم(1).
ومع ذلك وجدتُ ابن الجزري يقبل كلَّ قراءة؛ "لأنَّ القراءة سنَّة متّبعة يلزم قبولها والمصير إليها"(2).
ورغم أنَّ سيبويه يخضع أحياناً القراءات للقياس النحوي، فهو يرى – مثلاً – أنَّ (ما) في قوله تعالى: (ما هَذا بشَراً)(3) عاملة عمل (ليس) في لغة أهل الحجاز، إلاَّ أنّ بني تميم يرفعون الخبر إلاَّ من عرف منهم كيف هي في المصحف(4). ولكنّه يشاطر التميميّين رأيهم في عدم إعمال (ما)، ويرى ذلك هو الأقيس؛ لأنّها حرف، وليست فعلاً، فهي لا تشبه (ليس) من ناحية الفعلية، ولا من ناحية الإضمار، وفي ذلك يقول: "وأمَّا بنو تميم فيجرّونها – [أي يَجرُون الحرف ما –] مَجرى: أما وهل، وهو القياس؛ لأنّها ليست بفعل، وليست: ما كـ: ليس، ولا يكون فيها إضمارٌ"(5).
والأخذ بالقياس في القراءات عند سيبويه لا يمنعه من أن يصرّح في كتابه أنَّ القراءة سنّة، وليست مجالاً للاجتهاد والاختيار، وفي مثل ذلك يقول: "فأمّا قوله عزّ وجل: (إنَّا كُلَّ شيءٍ خَلقنَاهُ بِقدَرٍ)(6)، فإنّما جاء على: زيداً ضربته- وهو عربي كثير- وقرأ بعضهم: (وأمَّا ثمودَ فَهَدينَاهُم)(7) إلاَّ أنَّ القراءة لا تُخالَف لأنَّها السنَّةُ(8) وإنْ رأى الرّفع في (ثمود) أجود.
استعانَ سيبويه بالقراءات النّادرة والحروف المخالفة في بناء أصوله مثلما استعان بالقراءات المعروفة، وهو من طوّعها – كسائر المصادر – لمقاييسه، و توزّعت في مواقع مختلفة من كتابه.
فأجاز بقراءة بعضهم(9): (وإنْ تَبدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم أو تخفُوه يُحَاسبْكُم بِه الله فَيَغْفـِرَ لِمـَن يَشَاءُ)(10) نَصْبَ (يغفر) التي عطفت على جواب الشّرط بإضمار(أنْ) بعد الفاء(11).
وأجاز بقراءة ناس(12) من الكوفيّين: "ثمَّ لننزعَنَّ مِن كلّ شيعةٍ أيَّهم أشدُّ على الرّحمَن عتيّاً"(13) نَصْبَ (أيّهم) على الإضافة. 
وعدَّ هذه القراءات مقياساً يقيس عليه، كقياسه مع الخليل قولهم: "لاسيَّما زيدٌ" على: (إنَّ الله لا يستَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مثلاً مَا بَعُوضَةٌ)(14) برفع (بعوضة)(15).
حتَّى إنّه في مواضع يعدّها أصلاً يخرج عليها القراءة المشهورة، كما فعل في قوله تعالى:  (هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيد)(16). قال: "فرفعه من وجهين: على شيء لديّ عتيد، وعلى: (وَهَذا بَعلِي شَيخٌ)(17). يريد: أنَّ (عتيد) مرفوع على النّعت من (ما)، أو على أنَّه خبر لمبتدأ محذوف. أي: هو عتيد(18).
ومجمل القول: إنَّ سيبويه كان وفياً لسنّة القراءة، لا يبخل عن وصف بعضها بالقوة- إنْ توفَّرت لها شروط القوة أو الحسن- إنْ وافَقت الذّائع المَعروف مِن كلامِ العربِ- الّذي يتوخّى فيه ضبط لغة القرآن وصونها من التّحريف.
أمَّا الأخفش (سعيد بن مسعدة ت211هـ)، فقد عُرِف باحترامه رسم القرآن(19)، ومع ذلك ما كان ليتورَّع عن رفض كثير من القراءات المشهورة ووصفها باللّحن(20) والرّداءة (21) بل قل اعتمد في كثير من الأحيان على القراءات النّادرة الّتي انفرد برواية كثير منها(22)، وفضّلها على المشهورة، إذ يرى – مثلاً – أنَّ نَصْبَ (طائفة) الثانيـة من قولـه تعالى: (يَغشَى طائفةً مِنكـُم وطَائفَـةٌ قد أهمَّتهُم)(23)، وهي من القراءات التي انفرد بها.
ومع أنّ الأخفش ليسَ ذا موقفٍ واحدٍ من القراءات النادرة والشاذة، إذْ كان يخضعها لمقياسه، يقبل بعضها، ويرفضُ بعضَها الآخر، وما كان ليرفض قراءة الجمهور، فهو يفضِّل في قوله تعالى: (ثمّ آتَينَا مُوسَى الكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الّذِي أَحْسَنَ)(24) فتح النون، على قراءة بعضهم بالرّفع(25)، مكتفياً بالقول: "وفتحه على الفعل أحسن"(26).
أمَّا المبرّد محمد بن يزيد (ت285هـ)، فأخضع القراءات المشهور منها والنّادر إلى مقياسه النّحوي ضارباً الصّفح عن سنّتها متعلّلاً بضرورة التّحليق بأسلوب القرآن، وحَمله على أشرف المذاهب في العربيّة(27). إضافة لذلك دعا لتجنُّب الأخذ بالقراءات الشاذة لما في ذلك من ضرر على اللغة والنّحو، ومن هنا كان قوله المعروف: "إذا جعلت النّوادر والشّواذ غرضك كثرت زَلاتك"(28). ومع ذلك فإنَّ رفض المبرّد بعض القراءات- حتّى المشهور منها- ووصفه لها باللَّحن(29) والغلط(30) والقبح(31)، وعدم الجواز(32)، وحَمْل بعضها على الضّرورة الشعريّة(33) لا يعني أنّه لم يرتض قراءات أخرى، فهو ارتضى كلّ ما وافق مذهبه. فقراءة ابن عباس: (لَم يَمْسَسْهُ نارٌ)(34) بعدم إلحاق تاء التّأنيث للفعل مقبولة عنده؛ لأنَّ فاعله مؤنّث غير حقيقي(35).
يضاف إلى ذلك أنَّ المبرّد اعتدَّ بالحروف المخالفة وخرّجها، خرّج حرف أُبَي: (تُقَاتِلُونَهُم أو يُسلِمُوا)(36) على معنى: "إلاَّ أن يُسلمُوا وحتَّى يُسلمُوا ".
وصفوة القول: إنَّ المبرد قَبِلَ ما وافق مذهبه النّحوي، ورفض ما لم يوافقه، ووقف من بعضها موقف الحذر، واحتجَّ لِمَا أخذه أحياناً بالقرآن والشّعر.
والكسائي النحوي والقارئ هو من احتجّ بالقراءات، وأيّد بها كلّ ما ينتهي إليه من لغات العرب وأشعارها دون أن يخرج على المقياس النّحوي، فقرأ (يقول) في قوله تعالى: (وَزُلزِلُوا حتّى يقولَ الرَّسُولُ)(37) بالرّفع، ثمَّ عاد إلى النَّصب(38).
وعُرف عنه أنَّه ما كان ليتشدَّد في موقفه من الرَّسم(39) القرآني، عندما كان يُقبِل على تَخريج القراءات، ومع ذلك كان يقف من بعض القراءات موقف الحذر، فيقول – مثلاً – لا أعرف(40). أمَّا القراءات النادرة فقبلها بل قُل وبنى عليها بعض القواعد الجديدة، فأجاز قراءة: (إنَّ الله ومَلائِكَتُه يُصَلُّونَ عَلَى النّبي)(41) برفع الملائكة(42) بالعطف على اسم (إنَّ) قبل مجيء الخبر(43)، وهو من قبل قراءة (أطهرَ) بالنّصب وخرّجها على الحال(44). يضاف إلى ما سبق أنَّ الكسائي وجّه بعض القراءات موضّحاً رأيه النّحوي فيها، فوجّه قراءة(45) مجاهد: (كُتِبَ عَلَيكُم الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذينَ مِن قَبلِكُم شهرُ رمضانَ)(46) على معنَى: "كُتبَ عَليكُم الصّيامُ، وأن تصومُوا شهـرَ رمضانَ"(47).
وهكذا فالكسائي كغيره من النّحاة ما كان يطعن في القراءة- ولو كانت بعيدة- بل كان يجد لها مخرجاً يجعلها مقبولة في الاستعمال النّحوي واللغوي.
و الفرّاء يحيى بن زياد (ت207هـ) نحوي شُغف بلغة القرآن وقراءاته، بل قُل هو من أكثر النّحاة ولعاً بفنونه، ومن أقواله: "الكتابُ أعرب وأقوى في الحجَّةِ من الشّعر"(48).
وهو من ارتضى القراءات المشهورة، ما خلا بعضها(49) التي أعمل فيها مقياسه فأباها، وإن كان موقفه العام التَّسليم والإجلال. أمَّا القراءات غير المشهورة، فهي عندهُ ثلاثةُ أنواع: الحروف المخالفة، والقراءات الأحادية وغير المشهورة، والوجوه النحويّة التي أجازها في الآيات، وكان معظمها قراءات شاذّة.
واستخدمَ في حديثهِ عَنِ القراءات: (قراءة بعضهم)، وأكثَرَ مِن استخدامها إكثاراً واضحاً، ومن ذلك قوله في قراءة قوله تعالى: (كَبُرَتْ كَلِمَةٌ)(50) ورفعها بعضُهم(51).
ووصفَ بعضَ القراءات بالقلّة، كقوله في قراءة: (مَا كانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُتَّخَذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَولِيَاء)(52):
"والقرّاء مُجتَمِعةً على نَصبِ: نتَّخِذَ إلاّ أَبَا جَعفَر المدني، فإنّه قرأ بالضمّ. وهو على شذوذه وقلّة مَن قرأ به قد يجوز"(53).
أمَّا ثعلب أبو العباس أحمد بن يحيى (ت391هـ)، فتبع أساتذته في كلّ ما يقولون، وسار على نهجهم في النظر إلى القراءات، بل قُل كان يفوقهم احتراماً لها. قال: "إذا اختلف الإعرابان في القراءات لم أفضّل إعراباً على إعراب، فإذا خرجت إلى كلام النّاس فضَّلت الأقوى"(54).
أمّا القراءات النادرة، فموقفه لا يخرج عن موقف سابقيه في قبولها، فتراه يذهب إلى ما ذهب
إليه سيبويه في حذف المبتدأ لـ (شيخ) في حرف ابن مسعود: (وَهَذَا بَعلِي شَيخٌ)(55). قال: "إذا كان مدحاً أو ذمّاً استأنفوه"(56)، ويسير على نهج الكسائـي في تخريجه لقـراءة(57) الحسـن: (لا يُحِبُّ اللهُ الجهرَ بالسُّوءِ مِن القولِ إلاَّ مَن ظَلَم)(58) ببناء (ظلم) للمعلوم. قال: "قال الكسائي: هذا استثناء يعرض، ومعنى يعرض استثناء منقطع"(59).
من هذا المنظور أرى أنَّ ثعلباً ما كان ليخرج عن دائرة القبول للقراءات المشهور منها والنادر عن أساليب سابقيه في معالجتهم لها وإخضاعها للقياس، بل قُل كان مثلهم في إخضاعها للقواعد النّحوية، وتطويعها بما يناسب المقياس النّحوي الذي يرى فيه كغيره من النّحاة الفيصل في عملية القبول والرّفض لهذه القراءة أو تلك.
القراءات القرآنية والإعراب:
ممّا لا شك فيه أنّ الصّلة بين القراءات القرآنية – المشهور منها والنادر – والإعراب متينة، ولعلّ في قول الدكتور عبد العال سالم مكرم ما يؤكّد ذلك: "إنَّ النّحاة الأُوَل الّذين نشأ النّحو على أيديهم كانوا قرّاءً: كأبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر الثقفي، ويونس، والخليل، ولعلَّ اهتمامهم بهذه القراءات وجّههم إلى الدراسة النّحوية، ليلائمُوا بين القراءات والعربيّة، بين ما سمعُوا وروَوا من القراءات، وبين ما سمعُوا ورَووا من كلام العرب"(60).
والقرآن الكريم – في قراءاته – خير حافظ للّغات واللّهجات، والفضل في ذلك يرجع إلى عناية القرّاء وتدقيقهم في الضّبط وتخريجهم في التلقّي حتّى إنّهم ليراعون اليسير من الخلاف ويلقّنونه ويدوّنونه(61).
هكذا كانَ احتواء القرآن للتغيّرات الإعرابية التي تطرأ بتغيّر القبائل، ومثل ذلك: إعمال (ما) عَمَل (ليس) عند الحجازيين، وإهمالها عند التّميميّين، في قوله تعالـى: (مَا هُنَّ أمَّهاتِهم)(62). أمَّا مسألة (ضمير الفصل)، فبنو تميم لا يهملونه، بل يعدّونه مبتدأ، ويرفعون ما بعده على الخبر(63). قرأ بها الأعمش وزيد بن علي الآية: (إنْ كانَ هَذا هُو الحقّ مِن عِندكَ)(64).
ومن المسائل التي احتواها القرآن تبعاً للتغيّرات الإعرابية التي طرأت عليها بتغيّر القبائل إلزام المثنّى الألف، وهي لهجة بلحارث بن كعب وزيد وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، فهؤلاء كلّهم يلزمون المثنّى الألف ويعربونه بحركات مقدّرة عليها، وبه قرأ ابن كثير(65) الآية: (إنَّ هَذانِ لَسَاحِرَانِ)(66)، وقرأ أبو سعيد الخدري(67): (فَكَان أَبَواهُ مُؤمِنَان)(68).
وهكذا فالقرآن الكريم الذي عُرِف عنه بأنّه معرب، وهل أدلّ على ذلك من قول الرسول الكريم مخاطباً المسلمين: "أعربُوا القرآنَ والتمسُوا غرائبَه "، فطلبه هذا دليل قاطع بأنَّ القرآن معرب، وإعراب القرآن ضرورة يقتضيها المعنى مثل ذلك قوله تعالى: (إنَّمـَا يَخشَى الله مـِن عِبَادِه العُلمَاء)(69)، وقوله: (أَنَّ الله بَريءٌ مِنَ المُشرِكِينَ ورَسولَه)(70)، وقوله عزّ وجل: (وَإذَا ابتَلى إبراهِيم رَبّه)(71). هذه الآيات وغيرها لا تفهم الفهم الذي من أجله أنزلت إلاَّ بالإعراب.
ومن هنا كان اعتماد النّحاة في كثير من شواهدهم على القرآن الكريم، فسيبويه ضمَّن كتابه سبعةً وخمسين ومائة شاهدٍ من شواهد القرآن الكريم، وهي تصل إلى أكثر من 60% من مجموع شواهده التي بلغت ستَّةً وتسعين وثلاثمئة شاهدٍ، وهذه النّسبة المرتفعة من شواهد القرآن التي اعتمد عليها سيبويه تدلّ على مدى اهتمامه بالقرآن الكريم لتكون آياته حجّة لعلماء اللغة والنّحو.
ولم يكن الفرّاء أقلّ اهتماماً بالقرآن والقراءات من سيبويه، فهو قد ألّف كتاب (معاني القرآن)، وهو(72) يعني فيه بما كان يشكل في القرآن، ويحتاج إلى بعض العناء في فهمه. وهو- أيضاً- من ربط المعنى بالإعراب، ففي قوله تعالـى: (وزُلزِلُوا حتَّى يقولَ الرّسُولُ)(73). يقول الفـرّاء: "قرأها القرّاء بالنّصب إلاَّ مجاهداً وبعض أهل المدينة- هو: نافع ـ، فإنّهما رفعاها. ولها وجهان في العربيّة: نَصْبٌ ورَفْعٌ. أمَّا النَّصب، فلأنَّ الفعل الذي قبلها ممّا يتطاول كالتّرداد، فإن كان الفعل على ذلك المعنى نُصب الفعل بعده بـ: حتّى، وهو في المعنى ماض، فإذا كان الفعل الذي قبل (حتّى) لا يتطاول، وهو فعل ماض رفع الفعل بعد: حتّى إذا كان ماضياً، فأمّا الفعل الذي يتطاول وهو ماض، فقولك: جعل فلان يديم النّظر حتّى يعرفك، ألا ترى أنّ إدامة النّظر تطول، فإذا طال من قبل: حتّى ذهب بما بعدها إلى النّصب، إن كان ماضياً بتطاوله"(74).
وهكذا رأيت أنَّ النّصب عند الفرّاء دليله على أنّ الفعل قبلها "ممّا يتطاول كالتّرداد"، أي: المستمر يتردّد، ولم ينقطع، وهو في الوقت نفسه ماض؛ أي: استمرت الزلزلة، ودامت إلى أن قال الرسول وهكذا يكون النّصب عنده دليلَ الاستقبال.
ونظراً لأهميّة إعراب القرآن، فإنّ كثيراً من النحاة مَن صنَّفوا في إعرابه الكتب، ومن الأوائل منهم: "قطرب أبو علي محمد بن مستنير (ت 206هـ)، وأبو مروان عبد الملك بن حبيب القرطبي (ت 239هـ)، وحاتم سهل بن محمد السجستاني، (ت 248هـ)، وأبو العباس محمـد بن يزيد المبـرّد ت286هـ)، وأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب ت291هـ)، وأبو البركات الأنباري، (ت 328هـ)، وأبو جعفر بن النحاس (ت 338هـ)، وأبو عبد الله بن خالويه (ت 370هـ)، ومكي بن أبي طالب القيسي (ت 437هـ)، وأبو زكريا التبريزي (ت 502هـ)، وأبو القاسم إسماعيل بن محمد الأصفهاني (ت 535هـ)، وأبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي (ت 562هـ)، وأبو البقاء العكبري (ت 616هـ)، ومنتجب الدين الهمذاني (ت 643هـ)، وأبو إسحق الفاقي (ت 742ه)ـ"(75).
وصفوة القول: إنّي أرى أنّ هناك تلازماً بين النّحو والقرآن الكريم، فالنحويّ لا غنى له عن القرآن إذ هو مادة استشهاده للقواعد النحوية، ولا عجب في ذلك التلاحم بين النحو والقرآن الكريم وقراءاته، فالقرآن هو من هذّب اللسان العربي من وحشي الكلام وغريبه، وممّا يخرج عن الفصاحة. قال ابن خالويه: "قد أجمع النَّاس أنّ اللغة إذا وردت في القرآن فهي أفصح ممّا في غيره"(76).
والقرآن الكريم هو من خلّص اللغة العربية من شتات اللّهجات الكثيرة، وهو إضافة لذلك جعل من اللّغة العربية لغة عالميّة تنطق بها الأمم، إذ تغلغلت في الهند والصين وأفغانستان، وحسبنا ما نعلمه من مشاهير العلماء من تلك البلاد، مثل: البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، والقزويني، وغيرهم الكثير.
يضاف إلى ذلك أنَّ القرآن الكريم كان له الفضل الكبير في تقعيد اللغـة وضبطـها، وهكـذا- وبكل اطمئنان- يمكن أنْ أعدَّ القرآن الكريم بمنزلة الروح من الجسد بالنّسبة للّغة العربيّة، بل قل بفضله سادت اللّغة العربيّة وتهذّبت، وضُبِطت قواعدها، واتّصلت حلقات عصورها، وانفتحت للعلوم والمعارف، وحفظت وحدتها.
أمّا القراءات القرآنية التي تعاورها النّحاة، فكانت مادة من مواد الدّرس النّحوي؛ لأنّها- وإن تفاوتت النّظرة إليها، واختلفت الآراء في رفضها وقبولها ـأحدثت نوعاً من التفاعل البنّاء بين النّحاة، وما الاختلاف فيها إلاّ السبيل والمنطلق إلى لغة قرآنية سليمةٍ من كلّ زللٍ أو لحنٍ قد يقع فيه من يجهل القراءات القرآنية وما هي عليه من سلامةٍ في اللغة، فالقرآن الكريم الذي جاء على سبعة أحرف كلٌّ منها شافٍ وافٍ، لا سبيل لتخطئة قراءاته إذا ما توافرت لها شروط القراءة الصّحيحة، ولم تخرج عن مقاييس اللّغة نثرها وشعرها.
___________________________
الهوامش:
(1) مباحث في علوم القرآن د. صبحي الصالح، ص 250.
(2) النشر في القراءات العشر 1/ 10، 11.
(3) يوسف: 31.
(4) كتاب سيبويه 1/ 28.
(5) كتاب سيبويه 1/ 28.
(6) القمر: 49.
(7) فصّلت: 16.
(8) كتاب سيبويه 1/ 74.
(9) قراءة ابن عباس والأعرج، البحر المحيط 2/ 360.
(10) البقرة: 284. (فيغفرُ).
(11) كتاب سيبويه 3/ 90.
(12) قراءة معاذ الهراء وطلحة بن مصرف، مختصر في شواذ القرآن، ص 86.
(13) مريم: 69. (أيُّهم).
(14) البقرة: 26.
(15) قراءة رؤبة بن العجاج، مختصر في شواذ القرآن، ص 1.
(16) ق: 33.
(17) هود: 72. (شيخاً).
(18) كتاب سيبويه 2/ 106.
(19) حرصه على رسم القرآن في معاني الأخفش، ص 61، 62.
(20) معاني القرآن للأخفش، ص 247.
(21) معاني القرآن للأخفش، ص 329.
(22) من الروايات التي انفرد بها رواية (فاطِرُ) (الأنعام 6 / 14)، و(أقولُ لكُما) (الأعراف 7 / 22).
(23) آل عمران: 154.
(24) الأنعام: 154.
(25) قراءة يحيى بن يعمر، المحتسب 1/ 234.
(26) معاني القرآن للأخفش، ص 203.
(27) الكامل في اللّغة والأدب 3/ 39.
(28) الأشباه والنظائر 3/ 49.
(29) المقتضب 2/ 134.
(30) مشكل إعراب القرآن 2/ 141.
(31) إعراب القرآن للنحاس 3/ 198.
(32) إعراب القرآن للنحّاس 1/ 184.
(33) المقتضب 2/ 171.
(34) النور: 35. (تمسسهُ).
(35) الجامع لأحكام القرآن 12/ 262.
(36) الفتح: 16. (يسلمون).
(37) البقرة: 214. (يقولَ).
(38) معاني القرآن للفراء 1/ 133.
(39) الجامع لأحكام القرآن 14/ 352.
(40) معاني القرآن للفرّاء 2/ 377.
(41) الأحزاب: 56.
(42) رواية عبد الوارث عن أبي عمرو. مختصر في شواذ القرآن، ص 120.
(43) إعراب القرآن للنحاس 2/ 645.
(44) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 15/ 415، 416.
(45) مختصر في شواذ القرآن، ص 12.
(46) البقرة: 183.
(47) إعراب القرآن للنحاس 1/ 237.
(48) معاني القرآن للفراء 1/ 14.
(49) موقفه في معاني القرآن للفرّاء 2/ 81، 82.
(50) الكهف: 5. ( كَلِمَةً ).
(51) معاني القرآن للفرّاء 1 / 269.
(52) الفرقان: 18. ( نَتَّخِذَ ).
(53) معاني القرآن للفرّاء 2 / 264.
(54) الإتقان في علوم القرآن 1 / 83.
(55) هود: 72. (شيخاً).
(56) مجالس ثعلب 2/ 360.
(57) مختصر في شواذ القرآن، ص 30.
(58) النساء: 148. (ظُلِمَ).
(59) مجالس ثعلب 1/ 270.
(60) القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية، د. عبد العال سالم مكرم، ص 77.
(61) من مقال للدكتور عبد الحليم النجار، مجلة كلية الآداب جامعة عين شمس، 1963م، ص 12.
(62) المجادلة: 2.
(63) البحر المحيط لأبي حيّان الأندلسي 8/ 27.
(64) الأنفال: 32.
(65) النشر في القراءات العشر لابن الجزري 2/ 321.
(66) طه: 63.
(67) البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 6/ 255.
(68) الكهف: 80.
(69) فاطر 35 / 28.
(70) التوبة: 3.
(71) البقرة: 124
(72) معاني القرآن للفرّاء، ص 11
(73) البقرة: 214
(74) معاني القرآن للفرّاء 1/ 132.
(75) إعراب القرآن للزجّاج، ص 1093
(76) قول ابن خالويه في المزهر في علوم اللغة العربية للسيوطي 1/ 129.

المصدر: مجلة جامعة تشرين للدراسات والبحوث العلمية- سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية المجلد (28) العدد (1) 2006م