علوم التصحيح في اللغة دكتور احمد كروم

علوم التصحيح في اللغة دكتور احمد كروم

لتصفح أفضل

25.1.14

المدرسة التداولية ( البراغماتية )

د. محمد محمد يونس

تعد الدراسات التخاطبية امتدادا، واستكمالا لجهود المدرسة الوظيفية، وتأتي هذه الدراسات نتيجة طبيعية لشعور المهتمين بها بإخفاق النموذج التقليدي للتخاطب traditional model of communication في تقديم تفسير ناجح لعملية التخاطب. ويمكن تلخيص أوجه الإخفاق فيه في كونه يتعامل مع التخاطب في عزلة عن السياقات الفعلية التي تستخدم فيها اللغة، ويصبغ عملية التخاطب بطابع مثالي تتجاهل فيه قضايا اللبس، والخروج عن المواضعات اللغوية، وقصر وظائف اللغة على عملية الإبلاغ،[1]، وإهمال الأصول التخاطبية المفسرة لمقاصد المتكلمين.

ولكي نوضح ذلك يحسن أن نشرح كيف عجز النموذج التقليدي للتخاطب الذي قصر اهتمامه على العناصر، والبنى اللغوية التي ينطقها المتكلم في استنباط (2) من القولة (1):
(1) أكل خالد بعض الخبيز.
(2) لم يأكل خالد كل الخبيز.
فليس ثمة عنصر لغوي في (1) يشير إلى (2)، كما أن كل البنى الصرفية، والنحوية، والمعجمية التي تضمنتها (1) لا تفسر استنباطنا المعتاد للمفهوم من (2). وكانت أول محاولة ناجحة في هذا الشأن ما قدمه فيلسوف اللغة الأمريكي Paul Grice Herbert (1913-1988) فيما سمي بمبادئ المحادثة conversational maxims. وبتطبيق هذه المبادئ، والتعديلات التي طرأت عليها أصبح بالإمكان أن نصل إلى كيفية استنباط (2) من (1). صاغ قرايس مبدأ التعاون the Co-operative Principle الذي يقتضي أن المتكلمين متعاونون في تسهيل عملية التخاطب، وهو يرى أن مبادئ المحادثة المتفرعة عن مبدأ التعاون هي التي تفسر كيف نستنج المفاهيم الخطابية. ويمكن تلخيص تلك المبادئ في الآتي:
1- مبدأ الكمّ maxim of quantity:
(أ‌) تكلّم على قدر الحاجة فقط (القدر الذي يضمن تحقيق الغرض من التخاطب).
(ب‌) لا تتجاوز بإفادتك القدر المطلوب.
2- مبدأ الكيف maxim of quality:
(أ‌) لا تقل ما تعتقد كذبه.
(ب‌) لا تقل ما يعوزك فيه دليل بيّن.
3- مبدأ الأسلوب maxim of manner
(أ‌) تجنب إبهام التعبير.
(ب‌) تجنب اللبس
(ت‌) أوجز كلامك (تجنب الإطناب الزائد).
(ث‌) ليكن كلامك مرتبا.
4- مبدأ المناسبة maxim of relation:
- ليكن كلامك مناسبا لسياق الحال (be relevant)[2]
لقد طوّرت نظرية قرايس بفضل جهود باحثين في مجال علم التخاطب، ومن بينهم هارنيش Harnish الذي أضاف بعض التعديلات منها الجمع بين مبدئي الكم، والكيف[3]، وصادُك Sadock الذي أشار إلى إمكان تقليص بعض مبادئ قرايس، وأبرز بعض الثغرات في معيار الإبطال الذي صممه قرايس لاكتشاف المفاهيم الخطابية conversational implicatures المولّدة نتيجة انتهاك أحد مبادئ المحادثة المشار إليها سابقا. وتمكن صادُك من إضافة معايير أخرى لاختبار تلك المفاهيم،[4] غير أن أقوى التحديات جاءت من ويلسون Wilson، وسبيرير Sperber اللذان شككا في مبادئ قرايس، واستثنيا من ذلك مبدأ المناسبة الذي جعلا منه أساسا لنظرية سمياها بنظرية المناسبة theory of relevance.[5] وبالعودة إلى المثال (1) يمكننا معرفة الأساس الذي يستند إليه المتخاطبون في استنتاج (2) باللجوء إلى مبدأ الكم الذي بمقتضاه يفترض السامع أن قائل (1) ما كان ليستخدم صيغة أضعف (وهي كلمة "بعض") إذا كان متلقيه معنيا بالصيغة الأقوى (وهي كلمة "كل") التي كان بإمكان المتكلم أن يقولها بدلا مما قال. فالقاعدة إذن –كما يذكر جيفري ليتش أن "القضية الأضعف تستلزم أن المتكلم يعتقد بنفي القضية الأقوى". وهكذا فإن ذكر "بعض الخبيز"يستلزم نفي "كل الخبيز".[6]
لاشك أن مثل هذه المباحث فتحت مجالا جديدا واسعا في آفاق اللسانيات، وأسهمت في مد جسرٍ يصل بين البحث اللغوي المحض، والمنطق، فضلا عن كونها برهنت على أن عملية التخاطب لا تقتصر على المعطيات اللغوية؛ بل تتناول أيضا عناصر منطقية، وأخرى تخاطبية، وهو ما أعطى لهذا الحقل بعدا إبستمولوجيا جديدا يبدو فيه التشديد على تداخل المعارف، والعلوم المختلفة، والعلاقة التكاملية بينها. وقد سبق لعلماء أصول الفقه الإسلامي أن أدركوا هذه الحقيقة، وجعلوا منها مزيّة رجحت كفّتهم على كفة النحاة الذين قصروا اهتماماتهم على دراسة البنى اللغوية، وأهملوا الجوانب التخاطبية، والعمليات الاستنتاجية الملازمة لعملية الخطاب. ويبدو شعور تفوّق الأصوليين واضحا عند محمد بخيت المطيعي في قوله إن علماء الأصول "نحاة، وزيادة"،[7] كما صرح عبد العلي الأنصاري قبله بتفوّق علماء أصول الفقه على أهل العربية.[8]
تفترض البراغماتية pragmatics [9] وجود توقعات بين المتخاطبين، وأصول خطابية تحكم سلوكهم، واستنتاجاتهم، ومن الواضح جدا أنها تعنى بالأداء، وليس بالكفاية خلافا للتوليديين. وقد عرف عن البراغماتيين تشكيكهم في فكرة قصر اللسانيات على دراسة الكفاية اللغوية بعيدا عن الاستخدام، والسياق، وفي ما يتطلبه ذلك من قدر عال من التجريد، والأمثلَة.[10]
لقد جاءت البراغماتية بعد مراحل من الدراسات الصورية، أو البنائية formal للمعنى، التي عرف بها التوليديون على وجه الخصوص، ولعل روبين لاكوف Robin Lakof من أوائل التوليديين الذين شككوا في إمكان دراسة المعنى معزولا عن السياق، وتحمل شهادة أحد التوليديين المعروفين بإغراقهم في التجريد على إخفاق النهج الصوري البنائي في دراسة المعنى قيمة خاصة في البرهنة على أهمية السياق، والاستخدام في تقديم تفسير سليم لعملية التخاطب.
ومنذ السبعينيات توالت الانتقادات للدراسات التي تجعل من الجملة وحدة للتحليل اللغوي، وزاد عزوف مختلف الباحثين عن الدراسات التي لا تأخذ في حسبانها العناصر السياقية، والجوانب التخاطبية في دراسة اللغة. فاللسانيون الاجتماعيون بدؤوا يرفضون فكرة المتحدث المثالي عند تشومسكي، وشبيه بهذا ما فعلته اللسانيات النصية، وتحليل الخطاب حين رفضتا قصر الدراسات اللسانية على ما يسمى بنحو الجملة sentence grammar؛[11] متأثرين في ذلك ببعض الوظيفيين من أمثال فيرث، وهاليدي، وميتشال Mitchell الذي بلغت شهرتهم أوجها في الخمسينيات.
ولعل من أهم ما ينبغي أن يذكر في سياق الحديث عن البراغماتية الدور المهم، والمؤثر الذي قام به فلاسفة اللغة في تطوير هذا المجال. ومن الأعلام المهمين هنا -إضافة إلى بول قرايس المشار إليه سابقا -أوستين Austin، وسيرل Searle اللذان قدما للسانيات نظريتهما المعروفة بأفعال الكلام speech acts theory. تقوم هذه النظرية على فكرة أننا عندما نتحدث فإننا نقوم بأفعال، أو أحداث، ويبدو هذا واضحا فيما عرف بالقولات الإنشائية performative utterances التي يمكن أن نمثل لها بما يطلق عليه في كتب الفقه مصطلح "صيغ العقود" نحو "بعتك"، و"زوجتك"، وطلقتكِ"، ومنها أيضا "أعِدك"، و"أرجوك" "وأتمنى أن تفعل ذلك"، ونحوها مما يقترن فيه القول بعمل يصح أن نعده منجزا بمجرد انتهاء المتكلم من كلامه؛ كالطلاق، والبيع، والنكاح، والوعد، والرجاء، والتمني. وقد أضافت هذه النظرية تطورا إبستمولوجيا جديدا في اللسانيات ترتب عليه إعادة النظر في موضوعه من حقل يدرس الأقوال إلى مجال تدرس فيه الأقوال المقرونة بالأفعال، كما ترتب عليه إعادة النظر في طبيعة اللغة، واستخدامها.
لقد أتاحت الطبيعة الموسوعية للبراغماتية الفرصة لتعاون كبير بين المناطقة، والبراغماتيين (وكذلك علماء الدلالة) في سبيل تقديم نموذج متطور لعملية التخاطب يأخذ في حسبانه كل الأبعاد اللغوية، والمنطقية، والتخاطبية، وهو ما أدى إلى بروز أعمال تناقش موضوعات مشتركة[12] مثل أنواع الاستنتاج types of inference، والافتراضات presuppositions، والمفاهيم الخطابية conversational implicatures، والتعيين deixis.
وأخيرا علينا أن نذكّر بأن البراغماتية لا تقتصر على كونها فرعا من فروع اللسانيات النظرية، بل هي أيضا مدرسة متميزة في مناهجها البحثية، وفي موضوعاتها، وفي أصولها. وربما كان من العوامل التي أدت إلى دراستها باعتبارها حقلا من حقول اللسانيات أكثر من الحديث عنها بوصفها مدرسة أن الحديث عنها باعتبارها مدرسة يقتضي صوغ الاسم الذي يشير إليها بإضافة اللاحقة ism (على منوال Structuralism، وFunctionalism، و(Generativism يؤدي إلى التباسها بالمدرسة الفلسفية pragmatism (الذرائعية)، وقد سبق أن أشرنا إلى الفرق بينهما في أحد الهوامش.

[1] A. Akmajian, R. A. Demers and R. M. Harnish, Linguistics: An introduction to Language and Communication, 2nd edn. (Cambridge: The MIT Press, 1984) 392-8.
[2] See H. P. Grice, “Logic and Conversation”, in Steven Davis (ed.), Pragmatics: A Reader (New York: Oxford University Press, 1991) pp. 305-315, pp307-9. See also “Logic and Conversation”, in Peter Cole and Jerry L. Morgan (eds.), Syntax and Semantics, 3: Speech acts (New York: Academic Press, 1975), pp. 41-68.
[3] See R. M. Harnish, “Logical Form and Implicature” ”, in Steven Davis (ed.), Pragmatics: A Reader (New York: Oxford University Press, 1991) pp. 316-364.
[4] J. M. Sadock, “On Testing for Conversational Implicature”, in Steven Davis (ed.), Pragmatics: A Reader (New York: Oxford University Press, 1991) pp.365-376.
[5] See D Wilson and Dan Sperber, “Inference and Implicature”, in Steven Davis (ed.), Pragmatics: A Reader (New York: Oxford University Press, 1991) pp.377-393. See also, Dan Sperber and Deirdre Wilson, Relevance: Communication and Cognition (Oxford: Blackwell, 1986).
[6] Leech, 1983: 85.
[7] المطيعي، محمد بخيت، سلم الوصول لشرح نهاية السول (بيروت: عالم الكتب، د-ت) 2:350.
[8] الأنصاري، عبد العلي، فواتح الرحموت بشرح مسلّم الثبوت، ط2 (قُم، إيران: دار الذخائر، 1368هـ) 1:315، وانظر 1:251.
[9] أفضّل ترجمة مصطلح pragmatics بعلم التخاطب، وليس بالتداولية، أو النفعية، أو الذرائعية كما يفعل عدد من اللسانيين العرب توهّما منهم بأن pragmatics، و pragmatism شيء واحد. والواقع أن المصطلح الأول يطلق على الدراسات التي تعنى بالمعنى في السياقات الفعلية للكلام، وهو ما يتفق مع معناها الحرفي، وهو "علم الاستعمال". وإذا نظرنا في تراثنا البلاغي، والأصولي فسنلحظ أن الاستعمال –الذي يقابل الوضع عادة – يطلق على النشاط الذي يقوم به المتكلم في عملية التخاطب؛ ولذا فإن ترجمة pragmatics بعلم التخاطب أنسب –في رأيي – من الخيارات التي اطلعت عليها حتى الآن. أما pragmatism فهي مدرسة فلسفية ظهرت في أمريكا تذهب إلى أن الفكرة النظرية لا تجدي نفعا ما لم تكن لها تطبيقات عملية. وعلى الرغم من وجود صلة منهجية بين المجالين (والمصطلحين) تكمن في التقليل من شأن المجرد، والعناية بما هو عملي، وسياقي، ومتحقق فعلا؛ فإن اهتمام الحقل المسمى بـ pragmatics يقتصر على اللغة خاصة، في حين يعنى الحقل الآخر بالفلسفة، وإن امتدت آثاره إلى السياسة، وعلم الاجتماع، وغيرهما. وللتوسع في هذا الموضوع انظر المصادر الآتية:
-Lyons, 1977: 119.
-Levinson, 1983) p. 1.
آن روبول، وجاك موشلار، التداولية اليوم: علم جديد في التواصل، ترجمة سيف الدين دغفوس، ومحمد الشيباني (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2003) ص 27-28.
[10] See Leech, 1983:3.
[11] See Leech, 1983:4.
[12]See for example J. Allood and others, Logic in Linguistics (Cambridge: Cambridge University Press, 1977). See also L. T. F. Gamut, Logic, Language and Meaning (Chicago: the University of Chicago, 1991).

اللسانيات النصية دواعي التأسيس والأهمية


لقد ظهرت اللسانيات النصية تجاوزا للدراسات اللسانية الجملية بمختلف توجهاتها (البنيوية، التوزيعية، والسلوكية، والوظيفية، التوليدية التحويلية..)، ولا يعني التجاوز هنا القطيعة العلمية بين تلك التوجهات واللسانيات النصية، وإنما تطور العلوم يفترض استفادة اللسانيات النصية من كل معطيات اللسانيات الجملية، وتجاوز قصور هذه الأخيرة من حيث أن الجملة لم تعد كافية لكل مسائل الوصف اللغوي من حيث الدلالة والتداول والسياق الثقافي العام، وكل ذلك له دور حاسم في التواصل اللغوي، وقد أخرجت لسانيات النصية علوم اللسان من «مأزق الدراسات البنيوية التركيبة التي عجزت في الربط بين مختلف أبعاد الظاهرة اللغوية»(1).
 وقد اتخذت اللسانيات النصية هدفا رئيسيا ترمي الوصول إليه؛ وهو الوصف والتحليل والدراسة اللغوية للأبنية النصية، وتحليل المظاهر المتنوعة لأشكال التواصل النصي(2).
 ذلك أن النص ليس بناء لغويا فحسب وإنما يدخل ذلك البناء في سياق تفاعلي بين مخاطِب ومخاطَب، تفاعل لا يتم بجمل متراكم بعضها فوق بعض كيفما اتفق غير متماسكة ولا يربطها رابط، ولا تدرك النصوص بوصفها أفعال تواصل فردية بل بوصفها نتائج متجاوزة الافراد، ومن هذا المنطلق يجب أن يتخذ التحليل اللغوي النص مبتغاه النهائي في الدراسة، وهذا ما دعا إليه (فاينريش 1927م)، و(ب.هارتمان 1968م)(3).
 ويُعَدّ الأمريكي (هاريس 1952م) أول من استخدم التحليل النصي الشامل من خلال دراسته الموسومة بـ(تحليل الخطاب Discours Analysis)، وه وبحث قيم بدأت معه بوادر الاهتمام بالنص، والنص وسياقه الاجتماعي، وقدم في بحثه أول تحليل منهجي لنصوص بعينها(4).
 وقد اهتم هاريس بتوزيع العناصر اللغوية في النصوص المطولة، والروابط بين النص وسياقه الاجتماعي(5).
 ولا يعتبر هاريس أول لساني حديث يعتبر الخطاب موضوعا شرعيا للدرس اللساني فحسب؛ بل إنه تجاوز ذلك إلى تحقيق قضاياه التي ضمنها برامجه بتقديم أول تحليل منهجي لنصوص بعينها، وقد رأى هاريس ضرورة تجاوز (نحو الجملة)، ذلك أن الدراسات اللسانية وقعت في مشكلتين لابد من تجاوزهما وهما:
* «الأولى: قصر الدراسة على الجمل، والعلاقات فيما بين أجزاء الجملة الواحدة.
* الثانية: الفصل بين اللغة Languge والموقف الاجتماعي Social Situation مما يحول دون الفهم الصحيح، فجملة مثل (كيف حالك) قد تعطي في سياقها معنى التحية، أكثر منها السؤال عن الصحة، ومن ثَمّ اعتمد في منهجه في تحليل الخطاب على ركيزتين:
* العلاقات التوزيعية بين الجمل
* الربط بين اللغة والموقف الاجتماعي
بعد ذلك بدأ بعض اللسانيين ينتبهون إلى المشكلتين اللتين أشار إليهما هاريس، وإلى أهمية تجاوز الدراسة اللغوية مستوى الجملة إلى مستوى النص، والربط بين اللغة والموقف الاجتماعي مُشَكِّلين بذلك اتجاها لسانيا، أخذت ملامحه ومناهجه وإجراءاته في التبلور منذ منتصف الستينات تقريبا»(6).
لقد اهتمت اللسانيات النصية بالدلالة والسياق اللذين كانا غائبين في لسانيات الجملة الذي كان يصف الأبنية اللغوية ولكنه «لم يُعن بالجوانب الدلالية عناية كافية، مما جعل علماء النص يرون أن البحث الشكلي للأبنية اللغوية ما يزال مقتصرا على وصف الجملة، بينما يتضح من يوم إلى آخر أن جوانب كثيرة لهذه الأبنية لا يمكن أن توصف إلا في إطار أوسع لنحو النص أ ونحو الخطاب»(7).
 وقد توسعت اللسانيات النصية في اعتبار السياق في عملية التواصل، ذلك أن التواصل اللغوي تسهم فيه عناصر تتعلق بالمخاطِب والمخاطَب والنص والظروف المحيطة بهم جميعا، إن لسانيات الجملة ليست كافية لكل مسائل الوصف اللغوي، فقد تتماسك جمل النص بروابط غير نحوية على الإطلاق.
 وبعبارة أخرى يمكن أن نقول أن هناك بعض العلاقات اللغوية بين الجمل التي تُكوِّن النص، قد تكون روابط تماسكية نحوية، وهنا يمكن الاستفادة من لسانيات الجملة أ والنحو، وقد تكون روابط تماسكية غير نحوية شكلية أي دلالية وهنا يجب البحث عن العلاقات بين الجمل في إطار معطيات اللسانيات النصية، كما يمكن استثمار النص ووتوظفيه نصيا لكشف آليات التماسك داخل النص، ومن بين الظاهرة النحوية التي يجب النظر إليها من خلال معطيات اللسانيات النصية ما يأتي:
* الضمائر ووظائفها النصية
* أسماء الإشارة
* التعريف والتنكير
* التذكير والتأنيث
* التكرار (التماسك المعجمي)
* الاستدراك
* التوابع (الصفة، البدل،الحال)
* الحذف
* الصلة
* التقديم والتأخير
* الاستثناء
* الزمن
* العلاقات الموضوعية
* العام والخاص
* الكل والجزء
* الكبير والصغير
 ويُبين أحد الباحثين أن إقصاء المعنى في اللسانيات التقليدية كان وراء عجزه عن تحليل كثير من الظواهر اللغوية، ذلك أن «الفهم الحق للظاهرة اللسانية يوجب دراسة اللغة دراسة نصية وليس اجتزاء والبحث عن نماذجها وتهميش دراسة المعنى، كما ظهر في اللسانيات البلومفيدية أول أمرها، ومن ثمّ كان التمرد على نحو الجملة والاتجاه إلى نحو النص أمرا متوقعا، واتجاها أكثر اتساقا مع الطبيعة العلمية للدرس اللساني الحديث، إن دراسة النصوص هي دراسة للمادة الطبيعية التي توصلنا إلى فهم أمثل لظاهرة اللغة؛ لأن الناس لا تنطق حين تنطق، ولا تكتب حين تكتب جملا أو تتابعا من الجمل ولكنها تُعبِّر في الموقف اللغوي الحي من خلال حوار معقد متعدد الأطراف مع الآخرين، ويكثر في هذه الحال تصادم الاستراتيجيات والمصالح وتعقد المقامات، ومثل ذلك نراه في حديث الكتابة حين تتعقد العلاقات بين مكونات الصياغة اللغوية وترتد أعجازها عن صدورها، وتتشابك العلاقات في نسيج معقد بين الشكل والمضمون على نحو يصبح فيه رد الأمر كله إلى الجمل أو نماذج الجمل تجاهلا للظاهرة المدروسة، رَدّا له إلى بساطة مصطنعة تخل بجوهرها، وتقضي إلى عزل السياقات المقالية والمقامية والأطر الثقافية، واعتبارها أمرا قائما خارج النحو وطارئا عليه»(8).
يرى الدكتور محمد الشاوش، وهو أحد المختصين العرب في اللسانيات النصية وبالضبط في تأصيل اللسانيات النصية في النحو العربي أنه «لم يتجاوز نحو الجملة سوى في نهاية الستينات الميلادية في حين أن سنة (1984م) تمثل ذروة الاهتمام بنحو النص وتحليل الخطاب حيث بلغت الأعمال المنشورة فيها (298) عملا»(9).
يمكن القول إنه كانت هناك إشارات في الدراسات الغربية، وفي التراث العربي والإسلامي إلى أهمية التحليل النصي المتجاوز للجملة، نجد في تلك الإشارات التوجه إلى ضرورة التحليل النصي الذي يتجاوز الجملة إلى فضاء أرحب هو الفضاء النصي.
 وتعتبر البداية الحقيقية لدراسة النصية كعلم مستقل كانت على يد فندايك Van Dijk الذي يقول: «لقد توقفت القواعد واللسانيات التقليدية غالبا عند حدود وصف الجملة وأما في علم النص، فإننا نقوم بخطوة إلى الأمام، ونستعمل وصف الجمل بوصفه أداة لوصف النصوص، وما دمنا نستتبع هنا المكونات المعتادة للقواعد، وسنستعمل النصوص المستخدمة بغية وصف الجمل، فإننا نستطيع أن نتكلم عن قواعد النص»(10).
 فقد كان فندايك يسعى لإقامة لسانيات نصية تدرس البنية النصية، ومظاهر التماسك في النص، ويأخذ في الاعتبار كل الأبعاد البنيوية والسياقية والثقافية(11).
لقد كانت الحاجة إلى اللسانيات النصية ضرورة ملحة لتجاوز بعض الصعوبات التي واجهت اللسانيات الجملية، وذلك لتغير الكثير من المفاهيم النقدية الحديثة، وتغير النظرة إلى اللسانية إلى مفهوم اللغة ووظيفتها، ونجمل أهمية اللسانيات النصية فيما يلي(12):
أولا: إن اللسانيات النصية تركز على النص كبنية كلية، لا على الجمل كبنية فرعية، وعلى هذا اجتذبت النصوص اللسانيات النصوصية بناء على أن نحو النص يشمل النص، وسياقه، وظروفه، وفضاءاته، ومعانيه المتعالقة القبلية والبعدية، مراعيا ظروف المتلقي وثقافته وأشياء كثيرة تحيط بالنص، أما ما كان يحدث في المناهج اللسانية التراثية، فهو تناول للنص بالشرح؛ فلم يكن ينظر في مجمل النص ولتماس فهمه بوصفه ذا وحدة عضوية تجعل بعضه يفسر بعضا، وإنما كان الشرّاح يبنون شروحهم على المفردات، ثم يغوص في الدلالة المفردة لهذا اللفظ، مع ندرة الانتباه إلى العلاقات العضوية بين أجزاء النص، وما كان لهذا المنهج في شرح النصوص أن يؤدي إلى الفهم الكامل لدلالته ومقاصدها.
 ولعلّ هذا الفهم يصدق حتى على عمل أغلب المفسرين وشرحهم للنص القرآني، مع أن بعضهم أدرك ضرورة وجود هذه العلاقات التماسكية، وأن القرآن يفسر بعضه بعضا، وأن السنة تفصّل ما في القرآن من إجمال.
ثانيا: كثير من الظواهر التركيبية لم تفسر في إطار الجملة تفسيرا مقنعا، وربما تغير الحال إذا اتجه الوصف إلى الحكم على هذه الظواهر في إطار وحدة أكبر من الجملة، ويمكن أن تكون هذه الوحدة هي النص.
 ومن ذلك فإن اللسانيات النصية قد ضمت عناصر لم تكن في لسانيات الجملة، عناصر بناء قواعد جديدة منطقية ودلالية وتركيبية لتقديم شكل جديد من أشكال التحليل لبنية النص، وتصور معايير التماسك، ولهذا تضافرت تقريرات اللسانيين من أمثال بايك وهارتمان وجليسون وفندايك...على أن اللسانيات النصية بالنسبة لأي لغة هو أكثر شمولا وتماسكا واقتصادا من القواعد الموجودة في لسانيات الجملة، ومن هنا تغيرت الأهداف فأصبحت اللسانيات النصية تعنى بظواهر نصية مختلفة، منها علاقات التماسك، وأبنية التطابق والتقابل والتراكيب المحورية والتراكيب المجتزأة، وحالات الحذف، والجمل المفسرة، والتحويل إلى الضمير، والتنويعات التركيبية وتوزيعاتها في نصوص فردية وغيرها من الظواهر التركيبية التي تخرج عن إطار الجملة المفردة التي لا يمكن تفسيرها تفسيرا كاملا دقيقا إلا من خلال وحدة النص الكلية.
ثالثا: تغيّر الدرس اللساني في نظرته إلى اللغة، وذلك للإحساس الطاغي بالوظيفة الاجتماعية للغة، وإلى ضرورة وجود الدور التواصلي الذي يعده علماء اللسانيات جوهر العمليات الاجتماعية، ومن هنا أدرك اللسانيون أن اجتزاء الجمل يحيل اللغة الحية فتاتا وتفاريق من الجمل، وهو ما نجده في شواهد النحو والبلاغة المنزعة من سياقها وهو ما يتنافى مع مبادئ اللسانيات النصية. إن تلك الوظيفة الاجتماعية، وهذا الدور التواصلي للغة يفسحان الطريق للنحو أن يتسع مفهومه، ليصبح مكونا من مكونات نظرية شاملة، تفسر السلوك الإنساني، وهذا لا يتم إلا من خلال نص متماسك بسياق تواصلي وليس من خلال جملة.
 رابعا: إضافة مهام جديدة للسانيات ليست من اختصاص لسانيات الجملة، ومن تلك المهام صياغة قواعد تمكننا من حصر كل النصوص النحوية في لغة ما بوضوح، ومن تزويدنا بوصف للأبنية، فاللسانيات النصية إعادة بناء شكلية للكفاءة اللغوية الخاصة بمستخدم اللغة في عدد لا نهائي من النصوص.
خامسا: يمكن للسانيات النص أن تقدم خدمة كبيرة للترجمة، حيث يرى روبرت دي بوجراند أنه يمكن للسانيات النص أن تقدم إسهاما للترجمة، بعكس اللسانيات التقليدية التي تُعنى بالنظم الافتراضية لأن الترجمة من أمور الأداء، وليس امتلاك المعجم والنحو فقط كافيا للقيام بالترجمة بسبب الحاجة إلى التماسك في استعمالات اللغة، وذلك من المهام الأساسية للسانيات النص، لذا يمكن أن يفيد كثيرا في هذا المجال في النقل من اللغات الأجنبية إلى العربية أو العكس.
سادسا: نستطيع من خلال اللسانيات النصية أن نعيد النظر في بعض المفاهيم اللغوية التقليدية السائدة وذلك إما لتعميقها أو لتعديلها، ومثال ذلك ما يشير إليه النقاد من افتقار الشعر الجاهلي إلى الوحدة العضوية، وذلك لتعدد الأغراض في القصيدة الواحدة، ولكن يمكن من خلال اللسانيات النصية إعادة دراسة القصيدة في العصر الجاهلي من خلال وسائل التماسك، وذلك لإيجاد التماسك المفهومي الملحوظ أو حتى بعض وسائل التماسك الرصفي الذي ينتج عنه القول بوجود وحدة عضوية كاملة، وقد قدم الدكتور سعد مصلوح نموذجا لتلك الدراسة حول قصيدة المرقش الأصغر (بنت عجلان)، وقد استطاع أن يلمس مدى إحكام النسيج في التشكيل اللغوي للنص، وصلة ما بين النص وعالم النص، واستطاع أن يكشف بواسطة آليات التماسك النحوي والدلالي عن ثراء النص.
 هــوامش البحث:
1- خولة طالب الإبراهيمي، مبادئ في اللسانيات، دار القصبة للنشر، 2000م، ص167
2- أحمد عفيفي، نحو النص اتجاه جديد في الدرس النحوي، مكتبة زهراء الشرق، ط1، 2001م، ص31
3- فول فجانج هاينه مان وديتر فيهفجر، مدخل إلى علم لغة النص، ترجمة سعيد حسن بحيري، مكتبة زهراء الشرق، ط1، 2004م، ص20-21
4- سعد مصلوح، العربية من نحو الجملة إلى نحو النص، ضمن كتاب الأستاذ عبد السلام هارون معلما ومؤلفا ومحققا، تحرير وديعة طه النجم وعبده بدوي، كلية الآداب، 1410هـ-1990م، الكويت، ص407
5- زتسيسلاف واورزيناك، مدخل إلى علم النص مشكلات بناء النص، ترجمة د. سعيد بحيري، مؤسسة المختار، 2003 م، القاهرة، ص36-37
6- جميل عبد المجيد، البديع بين البلاغة واللسانيات النصية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م، ص17
7- برند شبلنر، علم اللغة والدراسات الأدبية دراسة الأسلوب البلاغة علم اللغة النصي، ص184
8- سعد مصلوح، العربية من نحو الجملة إلى نحو النص، ص413
9- محمد الشاوش، أصول تحليل الخطاب في النظرية النحوية العربية تأسيس نحو النص، سلسلة اللسانيات، المجلد14، جامعة منّوبة، تونس، والمؤسسة العربية للتوزيع، ط1، 1421هـ-2001م، بيروت، 1/77-76
10- فندايك، النص بنى ووظائف مدخل أولي إلى علم النص، ترجمة منذر عياشي، ضمن كتاب العلاماتية وعلم النص، المركز الثقافي العربي، ط1، 2004م، بيروت، 1/147
11- سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي النص-السياق، المركز الثقافي العربي، 1989م، بيروت والدار البيضاء، ص15
12- أحمد عفيفي، نحو النص اتجاه جديد في الدرس النحوي، ص37-42 . 


عمــران رشيـــد
أكاديمي من الجزائر

11.1.14

إصدار جديد بالإنجليزية للباحث اللغوي المغربي عبد القادر الفاسي الفهري

صدر مؤخرا عن دار النشر جون بنجامنز  John Benjamins بأمستردام العريقة والذائعة الصيت مؤلف جديد باللغة الإنجليزية للباحث اللغوي المغربي عبد القادر الفاسي الفهري يحمل عنوان: "السمات والوسائط المفاتيح في نحو اللغة العربية" Key Features and Parameters in Arabic Grammar. يقع الكتاب في358  صفحة، بالإضافة إلى 20 صفحة تتضمن التصدير.
ونظرا لأهمية الكتاب وتمكنه بحثا ومنهجا، فقد أبى رائد اللغويات المعروف نعام شومسكي إلا أن يصدره بتنويه وإشادة بجديته وعمق تحليله، فذهب إلى أن "هذه الدراسة الرائعة مساهمة كبرى في اللسانيات العربية واللسانيات العامة النظرية، وهي متجذرة في العلم الممتد من التراث اللغوي العربي الغني إلى الأسئلة الطليعية للبحث الحالي. فالمؤلف يقدم تحاليل دقيقة ودامغة للسمات المركزية للغات السامية، ويموقعها في إطار مقارن ملهم، ويطور أفكارا جديدة جذابة في الدلالة والتركيب لها نتائج واسعة ثاقبة. إنه إنجاز هام جدا يستحق الترحيب".
يبحث الكتاب في السمات والوسائط المفاتيح في اللغة العربية في ضوء البرنامج الأدنوي للنظرية التوليدية minimalist)) وفي إطار نظرية الوسائط المقارنة المتعلقة بالتنوع اللغوي (parametric theory).
ويتضمن الكتاب ثلاثة أبواب، كل واحد منها يحتوي فصولا عديدة. الباب الأول ينكب على دراسة الوجائه الصرفية التركيبية والدلالية، الزمنية (temporality)، والجهية (aspectuality)، والحدثية (actionality)، بما في ذلك الالتباس بين الماضي والمكتمل (Perfect) والتام (Perfective)، وتجانس الصرف الزمني التركيبي، وتضام تأويل ظرف الزمن، وتأويلية عدد الفعل باعتباره متعدد حدثيا. وقد تم تخصيص الباب الثاني لهندسة الأسماء، وسلوك الأسماء العارية باعتبارها نكرات فعلية، والتفريع الثنائي إلى كتلة ومعدود، والترتيب في صورة المرآة للصفات المتسلسلة، ونقل الاسم إلى الحد في تراكيب الملكية وأسماء الأعلام، والمنادى المفرَّد. ويفحص الباب الثالث دور المركب المصدري في ارتباط بالزمن والفضاء، وولوج القراءة المزدوجة (في اللغات ذات القراءة المزدوجة (DAR)، وسلسلة الزمن (SOT)، والمقولات الضميرية الصامتة في اللغات ذات الفاعل الفارغ والضمير العائد والجنسي، وتأويلية الصُّرفة (interpretability of inflection). وقد تم عرض الوسائط الدلالية والصورية على نحو منظم داخل نموذج مزيج للوسائط المتعلقة بالتنوع اللغوي.
فالكتاب عمل دقيق للمختصين في علوم العربية وعلوم اللسان، وهو ثمرة عمل دؤوب في البحث اللساني العربي والمقارن امتد في أكثر من ربع قرن، بحثا وتدريسا وتأليفا وتأطيرا، يخوض فيه المؤلف في قضايا شائكة وصعبة في البحث اللساني التحديثي. وإذا كان البحث يعالج أبوابا نحوية دقيقة في اللغة العربية، فهو ينخرط في النقاش العام حول خصائص اللغات الطبيعية، ويموقع اللغة العربية في قلب النقاش اللغوي العالمي، بما في ذلك خصائص اللغات وقواعدها، وبنائها الهندسي، الخ. وهو يغني ويطور النظرية اللسانية التوليدية في مشروع علمي ملتزم، ومشروع لغوي يتمثل في إقامة نحو عربي جديد وجذاب، بجرأة منهجية وتحليلية نادرة، مما يضيف هذا العمل إلى اللبنات الأساسية في صرح الثقافة اللسانية العربية التي رادها الأستاذ الفاسي، وأراد لها أن تكون علمية وجديدة بعمقها وأصالتها.

الكتاب موجه بالأساس إلى الطلبة والباحثين ومدرسي اللغة العربية واللغات السامية، والمهتمين باللسانيات المقارنة والتنميطية واللسانيات العامة. وباعتباره من أهم الكتب الصادرة حول اللسانيات العربية واللسانيات المقارنة العامة،  فإن ترجمته إلى اللغة في القريب العاجل أمر ملح وحيوي.

5.11.13

القراءات والدّرس النّحوي

القراءات والدّرس النّحوي:
كان اهتمام النّحاة بالقراءات القرآنية جلياً فهم من أخذوا بشروط القراءة المقبولة –غالباً – ولكنّهم قبلوا القراءة النادرة والشاذة – أحياناً – بعد أن أخضعوها لمقاييسهم، فهم- مثلاً- لم يقبلوا "قراءة أحد من القرّاء إلاّ إذا ثبت أخذه عمَّن فوقه بطريق المشافهة والسماع حتّى يتّصل الإسناد بالصحابي الذي أخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم(1).
ومع ذلك وجدتُ ابن الجزري يقبل كلَّ قراءة؛ "لأنَّ القراءة سنَّة متّبعة يلزم قبولها والمصير إليها"(2).
ورغم أنَّ سيبويه يخضع أحياناً القراءات للقياس النحوي، فهو يرى – مثلاً – أنَّ (ما) في قوله تعالى: (ما هَذا بشَراً)(3) عاملة عمل (ليس) في لغة أهل الحجاز، إلاَّ أنّ بني تميم يرفعون الخبر إلاَّ من عرف منهم كيف هي في المصحف(4). ولكنّه يشاطر التميميّين رأيهم في عدم إعمال (ما)، ويرى ذلك هو الأقيس؛ لأنّها حرف، وليست فعلاً، فهي لا تشبه (ليس) من ناحية الفعلية، ولا من ناحية الإضمار، وفي ذلك يقول: "وأمَّا بنو تميم فيجرّونها – [أي يَجرُون الحرف ما –] مَجرى: أما وهل، وهو القياس؛ لأنّها ليست بفعل، وليست: ما كـ: ليس، ولا يكون فيها إضمارٌ"(5).
والأخذ بالقياس في القراءات عند سيبويه لا يمنعه من أن يصرّح في كتابه أنَّ القراءة سنّة، وليست مجالاً للاجتهاد والاختيار، وفي مثل ذلك يقول: "فأمّا قوله عزّ وجل: (إنَّا كُلَّ شيءٍ خَلقنَاهُ بِقدَرٍ)(6)، فإنّما جاء على: زيداً ضربته- وهو عربي كثير- وقرأ بعضهم: (وأمَّا ثمودَ فَهَدينَاهُم)(7) إلاَّ أنَّ القراءة لا تُخالَف لأنَّها السنَّةُ(8) وإنْ رأى الرّفع في (ثمود) أجود.
استعانَ سيبويه بالقراءات النّادرة والحروف المخالفة في بناء أصوله مثلما استعان بالقراءات المعروفة، وهو من طوّعها – كسائر المصادر – لمقاييسه، و توزّعت في مواقع مختلفة من كتابه.
فأجاز بقراءة بعضهم(9): (وإنْ تَبدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم أو تخفُوه يُحَاسبْكُم بِه الله فَيَغْفـِرَ لِمـَن يَشَاءُ)(10) نَصْبَ (يغفر) التي عطفت على جواب الشّرط بإضمار(أنْ) بعد الفاء(11).
وأجاز بقراءة ناس(12) من الكوفيّين: "ثمَّ لننزعَنَّ مِن كلّ شيعةٍ أيَّهم أشدُّ على الرّحمَن عتيّاً"(13) نَصْبَ (أيّهم) على الإضافة. 
وعدَّ هذه القراءات مقياساً يقيس عليه، كقياسه مع الخليل قولهم: "لاسيَّما زيدٌ" على: (إنَّ الله لا يستَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مثلاً مَا بَعُوضَةٌ)(14) برفع (بعوضة)(15).
حتَّى إنّه في مواضع يعدّها أصلاً يخرج عليها القراءة المشهورة، كما فعل في قوله تعالى:  (هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيد)(16). قال: "فرفعه من وجهين: على شيء لديّ عتيد، وعلى: (وَهَذا بَعلِي شَيخٌ)(17). يريد: أنَّ (عتيد) مرفوع على النّعت من (ما)، أو على أنَّه خبر لمبتدأ محذوف. أي: هو عتيد(18).
ومجمل القول: إنَّ سيبويه كان وفياً لسنّة القراءة، لا يبخل عن وصف بعضها بالقوة- إنْ توفَّرت لها شروط القوة أو الحسن- إنْ وافَقت الذّائع المَعروف مِن كلامِ العربِ- الّذي يتوخّى فيه ضبط لغة القرآن وصونها من التّحريف.
أمَّا الأخفش (سعيد بن مسعدة ت211هـ)، فقد عُرِف باحترامه رسم القرآن(19)، ومع ذلك ما كان ليتورَّع عن رفض كثير من القراءات المشهورة ووصفها باللّحن(20) والرّداءة (21) بل قل اعتمد في كثير من الأحيان على القراءات النّادرة الّتي انفرد برواية كثير منها(22)، وفضّلها على المشهورة، إذ يرى – مثلاً – أنَّ نَصْبَ (طائفة) الثانيـة من قولـه تعالى: (يَغشَى طائفةً مِنكـُم وطَائفَـةٌ قد أهمَّتهُم)(23)، وهي من القراءات التي انفرد بها.
ومع أنّ الأخفش ليسَ ذا موقفٍ واحدٍ من القراءات النادرة والشاذة، إذْ كان يخضعها لمقياسه، يقبل بعضها، ويرفضُ بعضَها الآخر، وما كان ليرفض قراءة الجمهور، فهو يفضِّل في قوله تعالى: (ثمّ آتَينَا مُوسَى الكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الّذِي أَحْسَنَ)(24) فتح النون، على قراءة بعضهم بالرّفع(25)، مكتفياً بالقول: "وفتحه على الفعل أحسن"(26).
أمَّا المبرّد محمد بن يزيد (ت285هـ)، فأخضع القراءات المشهور منها والنّادر إلى مقياسه النّحوي ضارباً الصّفح عن سنّتها متعلّلاً بضرورة التّحليق بأسلوب القرآن، وحَمله على أشرف المذاهب في العربيّة(27). إضافة لذلك دعا لتجنُّب الأخذ بالقراءات الشاذة لما في ذلك من ضرر على اللغة والنّحو، ومن هنا كان قوله المعروف: "إذا جعلت النّوادر والشّواذ غرضك كثرت زَلاتك"(28). ومع ذلك فإنَّ رفض المبرّد بعض القراءات- حتّى المشهور منها- ووصفه لها باللَّحن(29) والغلط(30) والقبح(31)، وعدم الجواز(32)، وحَمْل بعضها على الضّرورة الشعريّة(33) لا يعني أنّه لم يرتض قراءات أخرى، فهو ارتضى كلّ ما وافق مذهبه. فقراءة ابن عباس: (لَم يَمْسَسْهُ نارٌ)(34) بعدم إلحاق تاء التّأنيث للفعل مقبولة عنده؛ لأنَّ فاعله مؤنّث غير حقيقي(35).
يضاف إلى ذلك أنَّ المبرّد اعتدَّ بالحروف المخالفة وخرّجها، خرّج حرف أُبَي: (تُقَاتِلُونَهُم أو يُسلِمُوا)(36) على معنى: "إلاَّ أن يُسلمُوا وحتَّى يُسلمُوا ".
وصفوة القول: إنَّ المبرد قَبِلَ ما وافق مذهبه النّحوي، ورفض ما لم يوافقه، ووقف من بعضها موقف الحذر، واحتجَّ لِمَا أخذه أحياناً بالقرآن والشّعر.
والكسائي النحوي والقارئ هو من احتجّ بالقراءات، وأيّد بها كلّ ما ينتهي إليه من لغات العرب وأشعارها دون أن يخرج على المقياس النّحوي، فقرأ (يقول) في قوله تعالى: (وَزُلزِلُوا حتّى يقولَ الرَّسُولُ)(37) بالرّفع، ثمَّ عاد إلى النَّصب(38).
وعُرف عنه أنَّه ما كان ليتشدَّد في موقفه من الرَّسم(39) القرآني، عندما كان يُقبِل على تَخريج القراءات، ومع ذلك كان يقف من بعض القراءات موقف الحذر، فيقول – مثلاً – لا أعرف(40). أمَّا القراءات النادرة فقبلها بل قُل وبنى عليها بعض القواعد الجديدة، فأجاز قراءة: (إنَّ الله ومَلائِكَتُه يُصَلُّونَ عَلَى النّبي)(41) برفع الملائكة(42) بالعطف على اسم (إنَّ) قبل مجيء الخبر(43)، وهو من قبل قراءة (أطهرَ) بالنّصب وخرّجها على الحال(44). يضاف إلى ما سبق أنَّ الكسائي وجّه بعض القراءات موضّحاً رأيه النّحوي فيها، فوجّه قراءة(45) مجاهد: (كُتِبَ عَلَيكُم الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذينَ مِن قَبلِكُم شهرُ رمضانَ)(46) على معنَى: "كُتبَ عَليكُم الصّيامُ، وأن تصومُوا شهـرَ رمضانَ"(47).
وهكذا فالكسائي كغيره من النّحاة ما كان يطعن في القراءة- ولو كانت بعيدة- بل كان يجد لها مخرجاً يجعلها مقبولة في الاستعمال النّحوي واللغوي.
و الفرّاء يحيى بن زياد (ت207هـ) نحوي شُغف بلغة القرآن وقراءاته، بل قُل هو من أكثر النّحاة ولعاً بفنونه، ومن أقواله: "الكتابُ أعرب وأقوى في الحجَّةِ من الشّعر"(48).
وهو من ارتضى القراءات المشهورة، ما خلا بعضها(49) التي أعمل فيها مقياسه فأباها، وإن كان موقفه العام التَّسليم والإجلال. أمَّا القراءات غير المشهورة، فهي عندهُ ثلاثةُ أنواع: الحروف المخالفة، والقراءات الأحادية وغير المشهورة، والوجوه النحويّة التي أجازها في الآيات، وكان معظمها قراءات شاذّة.
واستخدمَ في حديثهِ عَنِ القراءات: (قراءة بعضهم)، وأكثَرَ مِن استخدامها إكثاراً واضحاً، ومن ذلك قوله في قراءة قوله تعالى: (كَبُرَتْ كَلِمَةٌ)(50) ورفعها بعضُهم(51).
ووصفَ بعضَ القراءات بالقلّة، كقوله في قراءة: (مَا كانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُتَّخَذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَولِيَاء)(52):
"والقرّاء مُجتَمِعةً على نَصبِ: نتَّخِذَ إلاّ أَبَا جَعفَر المدني، فإنّه قرأ بالضمّ. وهو على شذوذه وقلّة مَن قرأ به قد يجوز"(53).
أمَّا ثعلب أبو العباس أحمد بن يحيى (ت391هـ)، فتبع أساتذته في كلّ ما يقولون، وسار على نهجهم في النظر إلى القراءات، بل قُل كان يفوقهم احتراماً لها. قال: "إذا اختلف الإعرابان في القراءات لم أفضّل إعراباً على إعراب، فإذا خرجت إلى كلام النّاس فضَّلت الأقوى"(54).
أمّا القراءات النادرة، فموقفه لا يخرج عن موقف سابقيه في قبولها، فتراه يذهب إلى ما ذهب
إليه سيبويه في حذف المبتدأ لـ (شيخ) في حرف ابن مسعود: (وَهَذَا بَعلِي شَيخٌ)(55). قال: "إذا كان مدحاً أو ذمّاً استأنفوه"(56)، ويسير على نهج الكسائـي في تخريجه لقـراءة(57) الحسـن: (لا يُحِبُّ اللهُ الجهرَ بالسُّوءِ مِن القولِ إلاَّ مَن ظَلَم)(58) ببناء (ظلم) للمعلوم. قال: "قال الكسائي: هذا استثناء يعرض، ومعنى يعرض استثناء منقطع"(59).
من هذا المنظور أرى أنَّ ثعلباً ما كان ليخرج عن دائرة القبول للقراءات المشهور منها والنادر عن أساليب سابقيه في معالجتهم لها وإخضاعها للقياس، بل قُل كان مثلهم في إخضاعها للقواعد النّحوية، وتطويعها بما يناسب المقياس النّحوي الذي يرى فيه كغيره من النّحاة الفيصل في عملية القبول والرّفض لهذه القراءة أو تلك.
القراءات القرآنية والإعراب:
ممّا لا شك فيه أنّ الصّلة بين القراءات القرآنية – المشهور منها والنادر – والإعراب متينة، ولعلّ في قول الدكتور عبد العال سالم مكرم ما يؤكّد ذلك: "إنَّ النّحاة الأُوَل الّذين نشأ النّحو على أيديهم كانوا قرّاءً: كأبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر الثقفي، ويونس، والخليل، ولعلَّ اهتمامهم بهذه القراءات وجّههم إلى الدراسة النّحوية، ليلائمُوا بين القراءات والعربيّة، بين ما سمعُوا وروَوا من القراءات، وبين ما سمعُوا ورَووا من كلام العرب"(60).
والقرآن الكريم – في قراءاته – خير حافظ للّغات واللّهجات، والفضل في ذلك يرجع إلى عناية القرّاء وتدقيقهم في الضّبط وتخريجهم في التلقّي حتّى إنّهم ليراعون اليسير من الخلاف ويلقّنونه ويدوّنونه(61).
هكذا كانَ احتواء القرآن للتغيّرات الإعرابية التي تطرأ بتغيّر القبائل، ومثل ذلك: إعمال (ما) عَمَل (ليس) عند الحجازيين، وإهمالها عند التّميميّين، في قوله تعالـى: (مَا هُنَّ أمَّهاتِهم)(62). أمَّا مسألة (ضمير الفصل)، فبنو تميم لا يهملونه، بل يعدّونه مبتدأ، ويرفعون ما بعده على الخبر(63). قرأ بها الأعمش وزيد بن علي الآية: (إنْ كانَ هَذا هُو الحقّ مِن عِندكَ)(64).
ومن المسائل التي احتواها القرآن تبعاً للتغيّرات الإعرابية التي طرأت عليها بتغيّر القبائل إلزام المثنّى الألف، وهي لهجة بلحارث بن كعب وزيد وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، فهؤلاء كلّهم يلزمون المثنّى الألف ويعربونه بحركات مقدّرة عليها، وبه قرأ ابن كثير(65) الآية: (إنَّ هَذانِ لَسَاحِرَانِ)(66)، وقرأ أبو سعيد الخدري(67): (فَكَان أَبَواهُ مُؤمِنَان)(68).
وهكذا فالقرآن الكريم الذي عُرِف عنه بأنّه معرب، وهل أدلّ على ذلك من قول الرسول الكريم مخاطباً المسلمين: "أعربُوا القرآنَ والتمسُوا غرائبَه "، فطلبه هذا دليل قاطع بأنَّ القرآن معرب، وإعراب القرآن ضرورة يقتضيها المعنى مثل ذلك قوله تعالى: (إنَّمـَا يَخشَى الله مـِن عِبَادِه العُلمَاء)(69)، وقوله: (أَنَّ الله بَريءٌ مِنَ المُشرِكِينَ ورَسولَه)(70)، وقوله عزّ وجل: (وَإذَا ابتَلى إبراهِيم رَبّه)(71). هذه الآيات وغيرها لا تفهم الفهم الذي من أجله أنزلت إلاَّ بالإعراب.
ومن هنا كان اعتماد النّحاة في كثير من شواهدهم على القرآن الكريم، فسيبويه ضمَّن كتابه سبعةً وخمسين ومائة شاهدٍ من شواهد القرآن الكريم، وهي تصل إلى أكثر من 60% من مجموع شواهده التي بلغت ستَّةً وتسعين وثلاثمئة شاهدٍ، وهذه النّسبة المرتفعة من شواهد القرآن التي اعتمد عليها سيبويه تدلّ على مدى اهتمامه بالقرآن الكريم لتكون آياته حجّة لعلماء اللغة والنّحو.
ولم يكن الفرّاء أقلّ اهتماماً بالقرآن والقراءات من سيبويه، فهو قد ألّف كتاب (معاني القرآن)، وهو(72) يعني فيه بما كان يشكل في القرآن، ويحتاج إلى بعض العناء في فهمه. وهو- أيضاً- من ربط المعنى بالإعراب، ففي قوله تعالـى: (وزُلزِلُوا حتَّى يقولَ الرّسُولُ)(73). يقول الفـرّاء: "قرأها القرّاء بالنّصب إلاَّ مجاهداً وبعض أهل المدينة- هو: نافع ـ، فإنّهما رفعاها. ولها وجهان في العربيّة: نَصْبٌ ورَفْعٌ. أمَّا النَّصب، فلأنَّ الفعل الذي قبلها ممّا يتطاول كالتّرداد، فإن كان الفعل على ذلك المعنى نُصب الفعل بعده بـ: حتّى، وهو في المعنى ماض، فإذا كان الفعل الذي قبل (حتّى) لا يتطاول، وهو فعل ماض رفع الفعل بعد: حتّى إذا كان ماضياً، فأمّا الفعل الذي يتطاول وهو ماض، فقولك: جعل فلان يديم النّظر حتّى يعرفك، ألا ترى أنّ إدامة النّظر تطول، فإذا طال من قبل: حتّى ذهب بما بعدها إلى النّصب، إن كان ماضياً بتطاوله"(74).
وهكذا رأيت أنَّ النّصب عند الفرّاء دليله على أنّ الفعل قبلها "ممّا يتطاول كالتّرداد"، أي: المستمر يتردّد، ولم ينقطع، وهو في الوقت نفسه ماض؛ أي: استمرت الزلزلة، ودامت إلى أن قال الرسول وهكذا يكون النّصب عنده دليلَ الاستقبال.
ونظراً لأهميّة إعراب القرآن، فإنّ كثيراً من النحاة مَن صنَّفوا في إعرابه الكتب، ومن الأوائل منهم: "قطرب أبو علي محمد بن مستنير (ت 206هـ)، وأبو مروان عبد الملك بن حبيب القرطبي (ت 239هـ)، وحاتم سهل بن محمد السجستاني، (ت 248هـ)، وأبو العباس محمـد بن يزيد المبـرّد ت286هـ)، وأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب ت291هـ)، وأبو البركات الأنباري، (ت 328هـ)، وأبو جعفر بن النحاس (ت 338هـ)، وأبو عبد الله بن خالويه (ت 370هـ)، ومكي بن أبي طالب القيسي (ت 437هـ)، وأبو زكريا التبريزي (ت 502هـ)، وأبو القاسم إسماعيل بن محمد الأصفهاني (ت 535هـ)، وأبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي (ت 562هـ)، وأبو البقاء العكبري (ت 616هـ)، ومنتجب الدين الهمذاني (ت 643هـ)، وأبو إسحق الفاقي (ت 742ه)ـ"(75).
وصفوة القول: إنّي أرى أنّ هناك تلازماً بين النّحو والقرآن الكريم، فالنحويّ لا غنى له عن القرآن إذ هو مادة استشهاده للقواعد النحوية، ولا عجب في ذلك التلاحم بين النحو والقرآن الكريم وقراءاته، فالقرآن هو من هذّب اللسان العربي من وحشي الكلام وغريبه، وممّا يخرج عن الفصاحة. قال ابن خالويه: "قد أجمع النَّاس أنّ اللغة إذا وردت في القرآن فهي أفصح ممّا في غيره"(76).
والقرآن الكريم هو من خلّص اللغة العربية من شتات اللّهجات الكثيرة، وهو إضافة لذلك جعل من اللّغة العربية لغة عالميّة تنطق بها الأمم، إذ تغلغلت في الهند والصين وأفغانستان، وحسبنا ما نعلمه من مشاهير العلماء من تلك البلاد، مثل: البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، والقزويني، وغيرهم الكثير.
يضاف إلى ذلك أنَّ القرآن الكريم كان له الفضل الكبير في تقعيد اللغـة وضبطـها، وهكـذا- وبكل اطمئنان- يمكن أنْ أعدَّ القرآن الكريم بمنزلة الروح من الجسد بالنّسبة للّغة العربيّة، بل قل بفضله سادت اللّغة العربيّة وتهذّبت، وضُبِطت قواعدها، واتّصلت حلقات عصورها، وانفتحت للعلوم والمعارف، وحفظت وحدتها.
أمّا القراءات القرآنية التي تعاورها النّحاة، فكانت مادة من مواد الدّرس النّحوي؛ لأنّها- وإن تفاوتت النّظرة إليها، واختلفت الآراء في رفضها وقبولها ـأحدثت نوعاً من التفاعل البنّاء بين النّحاة، وما الاختلاف فيها إلاّ السبيل والمنطلق إلى لغة قرآنية سليمةٍ من كلّ زللٍ أو لحنٍ قد يقع فيه من يجهل القراءات القرآنية وما هي عليه من سلامةٍ في اللغة، فالقرآن الكريم الذي جاء على سبعة أحرف كلٌّ منها شافٍ وافٍ، لا سبيل لتخطئة قراءاته إذا ما توافرت لها شروط القراءة الصّحيحة، ولم تخرج عن مقاييس اللّغة نثرها وشعرها.
___________________________
الهوامش:
(1) مباحث في علوم القرآن د. صبحي الصالح، ص 250.
(2) النشر في القراءات العشر 1/ 10، 11.
(3) يوسف: 31.
(4) كتاب سيبويه 1/ 28.
(5) كتاب سيبويه 1/ 28.
(6) القمر: 49.
(7) فصّلت: 16.
(8) كتاب سيبويه 1/ 74.
(9) قراءة ابن عباس والأعرج، البحر المحيط 2/ 360.
(10) البقرة: 284. (فيغفرُ).
(11) كتاب سيبويه 3/ 90.
(12) قراءة معاذ الهراء وطلحة بن مصرف، مختصر في شواذ القرآن، ص 86.
(13) مريم: 69. (أيُّهم).
(14) البقرة: 26.
(15) قراءة رؤبة بن العجاج، مختصر في شواذ القرآن، ص 1.
(16) ق: 33.
(17) هود: 72. (شيخاً).
(18) كتاب سيبويه 2/ 106.
(19) حرصه على رسم القرآن في معاني الأخفش، ص 61، 62.
(20) معاني القرآن للأخفش، ص 247.
(21) معاني القرآن للأخفش، ص 329.
(22) من الروايات التي انفرد بها رواية (فاطِرُ) (الأنعام 6 / 14)، و(أقولُ لكُما) (الأعراف 7 / 22).
(23) آل عمران: 154.
(24) الأنعام: 154.
(25) قراءة يحيى بن يعمر، المحتسب 1/ 234.
(26) معاني القرآن للأخفش، ص 203.
(27) الكامل في اللّغة والأدب 3/ 39.
(28) الأشباه والنظائر 3/ 49.
(29) المقتضب 2/ 134.
(30) مشكل إعراب القرآن 2/ 141.
(31) إعراب القرآن للنحاس 3/ 198.
(32) إعراب القرآن للنحّاس 1/ 184.
(33) المقتضب 2/ 171.
(34) النور: 35. (تمسسهُ).
(35) الجامع لأحكام القرآن 12/ 262.
(36) الفتح: 16. (يسلمون).
(37) البقرة: 214. (يقولَ).
(38) معاني القرآن للفراء 1/ 133.
(39) الجامع لأحكام القرآن 14/ 352.
(40) معاني القرآن للفرّاء 2/ 377.
(41) الأحزاب: 56.
(42) رواية عبد الوارث عن أبي عمرو. مختصر في شواذ القرآن، ص 120.
(43) إعراب القرآن للنحاس 2/ 645.
(44) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 15/ 415، 416.
(45) مختصر في شواذ القرآن، ص 12.
(46) البقرة: 183.
(47) إعراب القرآن للنحاس 1/ 237.
(48) معاني القرآن للفراء 1/ 14.
(49) موقفه في معاني القرآن للفرّاء 2/ 81، 82.
(50) الكهف: 5. ( كَلِمَةً ).
(51) معاني القرآن للفرّاء 1 / 269.
(52) الفرقان: 18. ( نَتَّخِذَ ).
(53) معاني القرآن للفرّاء 2 / 264.
(54) الإتقان في علوم القرآن 1 / 83.
(55) هود: 72. (شيخاً).
(56) مجالس ثعلب 2/ 360.
(57) مختصر في شواذ القرآن، ص 30.
(58) النساء: 148. (ظُلِمَ).
(59) مجالس ثعلب 1/ 270.
(60) القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية، د. عبد العال سالم مكرم، ص 77.
(61) من مقال للدكتور عبد الحليم النجار، مجلة كلية الآداب جامعة عين شمس، 1963م، ص 12.
(62) المجادلة: 2.
(63) البحر المحيط لأبي حيّان الأندلسي 8/ 27.
(64) الأنفال: 32.
(65) النشر في القراءات العشر لابن الجزري 2/ 321.
(66) طه: 63.
(67) البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 6/ 255.
(68) الكهف: 80.
(69) فاطر 35 / 28.
(70) التوبة: 3.
(71) البقرة: 124
(72) معاني القرآن للفرّاء، ص 11
(73) البقرة: 214
(74) معاني القرآن للفرّاء 1/ 132.
(75) إعراب القرآن للزجّاج، ص 1093
(76) قول ابن خالويه في المزهر في علوم اللغة العربية للسيوطي 1/ 129.

المصدر: مجلة جامعة تشرين للدراسات والبحوث العلمية- سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية المجلد (28) العدد (1) 2006م